![]() |
عندما اكتشفت أن الأبواب في المغرب لا تُغلق
من الأشياء التي حيّرتني في المغرب، أنني كنت كثيراً ما أرفع رأسي فلا أرى البيوت.. بل أرى الأبواب. كل باب في المدينة القديمة مثلاً يبدو وكأنه شخصية مستقلة.. باب من خشب الأرز، مساميره نحاسية، وإطاره من الزليج، ومطرقته ليست مجرد قطعة حديد، بل قطعة من ذاكرة صاحب الدار.. تشعر أن النجار لم يكن يصنع باباً، وإنما كان يكتب سيرة عائلة. سألت مغربياً: لماذا كل هذا الاهتمام بالباب؟. ابتسم، وقال: لأن الضيف لا يرى البيت أولاً.. يرى الباب. وأدركت أن الرجل لم يكن يتحدث عن الخشب.. كان يتحدث عن ثقافة كاملة. في المغرب لا يبدأ الكرم عندما تدخل المنزل، بل يبدأ قبل أن تطرقه.. كأن الباب يقول لك: نحن نحترم القادم إلينا حتى قبل أن نعرف اسمه. ولهذا ترى الأبواب عتيقة، ولكنها لامعة.. قديمة، ولكنها مهيبة.. مر عليها مئات السنين، وما زالت واقفة تؤدي وظيفتها الأولى: استقبال الناس. ثم اكتشفت شيئاً آخر. كلما تعمقت في المدن المغربية، وجدت أن الأبواب تختلف، لكن الروح واحدة.. باب في فاس يشبه التاريخ، وباب في مراكش يشبه القصيدة، وباب في أصيلة يشبه لوحة فنان، وباب في الصويرة يحمل رائحة البحر والملح. ولعل هذه هي عبقرية المغرب. بلد لا يحفظ تراثه داخل المتاحف فقط، وإنما يتركه يمشي مع الناس في الشوارع، ويعيش بينهم، ويُفتح ويُغلق كل صباح. خرجت من الأزقة وأنا أفكر أن الحضارات لا تُقاس بعدد القصور التي بنتها، بل بعدد التفاصيل الصغيرة التي احترمتها. وفي المغرب.. حتى الباب ليس مجرد باب. يوميات صحفي مصري في المغرب |
| الساعة الآن 04:02 PM. |
Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026