![]() |
سطور على جبين أبي.. حين تتحول الأرض إلى ذاكرة ويصبح الأب ميراثًا
تشارك رواية «سطور على جبين أبي» للروائي علي حادي، الفائزة بجائزة الرواية العربية في العراق في دورتها الأولى، ضمن فعاليات الدورة السابعة والعشرين من معرض بغداد الدولي للكتاب، المقامة خلال الفترة من 2 حتى 12 سبتمبر الجاري، حيث تتيح الرواية للقراء فرصة الاطلاع عليها ضمن إصدارات المعرض. ليست «سطور على جبين أبي» رواية عن الريف بالمعنى الذي قد يوحي به عنوانها أو عالمها المكاني، وليست كذلك حكاية أب يموت فيترك وراءه أبناءً وأرضًا وعقود ملكية، إنها، في عمقها، رواية عن الأثر: ماذا يبقى من الإنسان حين يرحل؟ وهل يكون ميراث الأب ما يتركه من أرض ومال، أم ما يغرسه في أبنائه من قيم ومواقف وطريقة في النظر إلى الحياة؟ من الميراث المادي إلى القيم والمواقف من هذه المسافة بين الموت والحضور، وبين الأرض والذاكرة، وبين الميراث المادي والميراث الإنساني يبني الروائي علي حادي عالم روايته «سطور على جبين أبي»، إذ تبدأ الحكاية من لحظة مشحونة بالانتظار داخل «المندرة»، حيث يجتمع أفراد الأسرة في ترقب أمر جلل. ومن هذا الحاضر المتوتر، ينفتح السرد على الماضي، لتبدأ سيرة حرازي، الأب الذي لا نراه في الرواية من خلال حياته وحدها، وإنما من خلال الأثر الذي تركه في ابنه عالم وفي أسرته وقريته. حرازي رجل ريفي تشكلت حياته من الأرض، بعدما ابتعد إخوته عن الفلاحة ورحل بعضهم إلى مصر والإسكندرية، بقي هو يحمل عبء الأرض ويحافظ على ملك الأسرة وتماسكها. لم تكن الأرض بالنسبة إليه مجرد مصدر رزق؛ كانت امتدادًا للأسرة، وعلامة على بقائها، وأمانة ينبغي ألا تضيع، ومن هنا يصبح الصراع على الأرض هو الوجه الظاهر لصراع أعمق على المعنى. ففي «الصمامدة»، حيث توجد مساحة مهمة من أرض الأسرة، يواجه حرازي نفوذ «القبايصة» ومحاولاتهم المتكررة لشراء الأرض أو إخضاع أصحابها لمصالحهم. ولا يواجههم حرازي بالقوة وحدها؛ بل بالحذر والحكمة، وبقدرته على قراءة الناس وموازين القوة، مستعينًا بمن يثق بهم، ومن بينهم حماد سالمة، الذي يصبح صديقه ومساعده وعينه وأذنه في الصمامدة. من أرض القرية إلى القاهرة ولا ترسم الرواية القرية بوصفها فضاءً رومانسيًا ساكنًا، بل بوصفها مجتمعًا كاملًا له مصالحه وتناقضاته وتقاليده وتحالفاته؛ فيها الأسرة الكبيرة، والمندرة، والزراعة، والجمعية الزراعية، والتجارة، والزواج، والخصومات، والانتخابات، والسياسة، والعلاقات التي تتجاوز حدود القرية إلى مراكز السلطة في القاهرة. وفي قلب هذا العالم تقف علاقة حرازي بابنه عالم، حيث يدرك الأب مبكرًا أن ابنه الوحيد لا ينبغي أن يعيش حياته كما عاشها هو، فيعفيه من مشقة الأرض، ويدفعه إلى التعليم، ثم يصحبه بنفسه إلى القاهرة بعد تخرجه من كلية الحقوق، طالبًا له وظيفة محترمة. وهكذا يصبح الأب، الذي لم يغادر عالم الأرض إلا قليلًا، هو الذي يفتح لابنه الطريق إلى عالم آخر. وحين يصل الابن علام إلى المكانة التي أرادها، لا ينسى أن وراءها أبًا ظل يعمل ويكافح من أجله، حتى في إحدى لحظات نجاحه، حين يرى أباه بين الحاضرين في مؤتمر، يشعر أن المكانة التي وصل إليها ليست ملكه وحده؛ فالأب هو الذي قدم العريضة، وتكلم باسم أهل القرى، ولفت إليه النائب، ثم طلب له الوظيفة، وهنا تكتسب الرواية أحد أهم أبعادها: عالم يبتعد عن أبيه جغرافيًا، لكنه يقترب منه معنويًا كلما تقدم في الحياة، ثم يأتي الموت. يرحل حرازي، وتبدو لحظة رحيله في ظاهرها نهاية سيرة رجل، لكن الرواية تجعلها، في الحقيقة، بداية الامتحان الأكبر للابن، بعد عام من وفاة الأب، تجتمع الأسرة مرة أخرى حول الأرض، لقد أصبح ما كان حرازي يحميه طوال حياته عرضة للبيع، ويرى بعض أفراد الأسرة أن التخلص من الأرض قد يكون خلاصًا من عبء حفظها، بينما يرى آخرون في ثمنها فرصة لحياة مختلفة، أما القبايصة فيرون في موت حرازي زوال العائق الذي وقف طويلًا أمام امتلاك الأرض، ويجد علام نفسه في مواجهة السؤال الأصعب: هل يبيع أرض أبيه؟ إنها لحظة تتجاوز الحساب الاقتصادي، فعندما يصعد إلى حيث تحفظ العقود، لا يرى في الأوراق مجرد مستندات ملكية؛ يرى أباه نفسه، تظهر ملامحه على صفحات العقود مرة عاتبًا، ومرة حزينًا، ثم تتبدل الصورة في النهاية إلى وجه مطمئن مستريح، هنا يبلغ عنوان الرواية ذروته الدلالية، فالسطور التي على جبين الأب هي سطور العمر والعمل والتعب والكفاح؛ وهي، في الوقت نفسه، سطور السيرة التي يقرأها الابن بعد رحيل أبيه. وحين يكشف علام وجه أبيه في لحظة الوداع الأخيرة، يراه مطمئنًا، وقد اختفت السطور من جبينه، وصار وجهه أملس هادئًا، لكن السطور لم تختفِ حقًا، لقد انتقلت من جبين الأب إلى ذاكرة الابن، ولهذا، حين يعود علام إلى جلسة بيع الأرض بعد عام، لا يعود هو الرجل نفسه الذي دخلها. يستعيد مسيرة أبيه، وتضحياته، ورفاقه، وخوفه على الأرض، وكل ما دفعه من عمره في سبيل ألا تضيع، فيقرر ألا يبيع. وهنا لا ينتصر علام للأرض بوصفها عقارًا، وإنما ينتصر لما تمثله: للأمانة، وللذاكرة، ولحق الأب في أن تظل سيرته حية في ابنه، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الرواية باعتبارها رحلة انتقال للميراث من جيل إلى جيل؛ ليس ميراث الأرض فقط، وإنما ميراث الموقف. فحرازي، الذي ظل طوال حياته يحرس الأرض ويحفظ الأسرة، يغيب في النهاية عن المشهد، لكن ابنه يتولى الحراسة من بعده، يموت الأب، ولا تنتهي حكايته، تغيب السطور عن جبينه، لكنها تظهر في قرار ابنه. وهذه ربما هي المفارقة في الرواية: أن الابن الذي خرج من القرية إلى القاهرة بحثًا عن مستقبله، وانشغل بالوظيفة والمكانة والحياة الجديدة، يجد نفسه في النهاية عائدًا إلى الأرض، لا ليكرر حياة أبيه، وإنما ليحفظ المعنى الذي عاش أبوه من أجله. |
| الساعة الآن 02:24 AM. |
Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026