![]() |
التأمل في ملكوت الله
كل ما يحيط بنا آيةٌ من آيات الله، تنطق بعظمته، وتشهد بحكمته، وتغمر القلوب بنعمه. ولكن كثيرًا من الناس ينظرون إلى الكون بعين البصر، ولا يتأملونه بعين البصيرة، فيعبرون بين آيات الله دون أن يلامس نورها قلوبهم، أو يدركوا ما تحمله من حكمٍ ورحمة لهم . التأمل ليس مجرد النظر إلى الأشياء فحسب، بل هو أن تنظر بقلبك قبل عينيك، فتشهد التجليات الإلهية في الكون كله، وترى في كل مخلوقٍ آيةً تنطق بعظمة الله وحكمته ورحمته قف يومًا وتأمل نملةً صغيرة تمشي في طريقها. كم تبدو ضئيلة في أعيننا، لكنها تعرف طريقها، وتسعى لرزقها، ويكفلها ربها. فإذا كان الله يرعى تلك النملة الصغيرة، أفلا يرعى قلبًا لجأ إليه؟ وتأمل الطيور وهي تغادر أعشاشها مع أول ضوء، ثم تعود وقد ساق الله إليها رزقها. وتأمل وردة تتفتح في مكانٍ لم يزرعها فيه أحد، ثم تنثر عبيرها في الأرجاء حتى يكاد شذاها يسكر الحواس من شدّة جماله. وفراشةً تتنقل بين الأزهار، ونجمةً تضيء السماء في سكون الليل. كل مخلوق يسبح بحمد الله بطريقته، وكل مشهد في هذا الكون يدعوك إلى التأمل في عظمة الله . وتأمل آيات الله في السماء: في القمر كيف يتنقل في أطواره من هلالٍ دقيق إلى بدرٍ مكتمل، ثم يعود فيتلاشى شيئًا فشيئًا، وفي الشمس كيف تبعث النور والدفء، وفي تعاقب الليل والنهار بهذا الإحكام البديع، وفي النجوم كيف تتلألأ في سكون الليل كأنها لآلئ من نور، أو جواهر معلّقة في صفحة السماء، وتأمل النسمة الرقيقة حين تهبّ عليك فتلامس وجهك برفق، وكأنها تحمل إليك سكينة خفية؛ تنطق كلها بجلال الخالق وروعة تدبيره. وتأمل آيات الله في داخلك أيضًا: في ملايين الخلايا التي تعمل في صمت وتناسق لا يتوقف، لكل منها وظيفتها، ومع ذلك تتكامل جميعها في نظام واحد بديع. وتأمل نَفَسك الذي يدخل ويخرج دون أن تفكر فيه؛ كيف تستقبل رئتاك الهواء، ويحمل الدم الأكسجين إلى أنحاء جسدك، فتستمد منه خلاياك ما يعينها على إنتاج الطاقة والحياة. ومع كل شهيق، كأن الجسد يستقبل مددًا جديدًا، ومع كل زفير يترك ما لم يعد يحتاج إليه. كم من آية تجري فينا كل لحظة ونحن لا نشعر. إنَّ الكون كتابٌ مفتوح، وآياته لا تُقرأ بالحروف، بل بالبصيرة. وكلما صفا القلب، ازدادت قدرة الإنسان على رؤية هذه الآيات، فازداد إيمانه بالله رسوخًا، ويقينه عمقًا، وقلبه امتنانًا. |
| الساعة الآن 02:10 PM. |
Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026