
| مواضيع إسلامية عامة أدعية وأحاديث ومعلومات دينية مفيدة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#1 | ||||||||||||||
![]() ![]()
شكراً: 9,478
تم شكره 17,570 مرة في 8,937 مشاركة
|
تحدثنا في الجزء الخامس عن أدوات الشرط، ورأينا كيف جاءت مع الإرادة لتكشف لنا عن إرادةٍ لا تُرَدّ، وسلطانٍ لا يُغلب، وقدرةٍ لا يقف أمامها شيء. وذكرنا أن حرف الاستثناء (إلا) قد ورد كثيرًا مع المشيئة، ولكنه لم يرد مع الإرادة أبدًا. فما السر وراء قرب حرف الاستثناء (إلا) من المشيئة، وبعده عن الإرادة؟ هنا يلفت القرآن أنظارنا إلى دقة أخرى من دقائق البيان. فحرف الاستثناء (إلا) يحمل في سياقه معنى الحركة والمرونة؛ لأنه يذكر أمرًا، ثم يستثني منه مشيئة الله، فيفتح بذلك احتمالًا آخر قد تأتي به المشيئة. ولهذا ورد الاستثناء مع فعل المشيئة، ولم يرد مع فعل الإرادة أبدًا. فقد ورد في القرآن: ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وورد: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ في نحو أربعة عشر موضعًا، بينما لا نجد في كتاب الله: ﴿إِلَّا أَن يُرِيدَ اللَّهُ﴾ ولا: ﴿إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ﴾. ومنها، على سبيل المثال، قوله تعالى: { وَمَا تَشَاۤءُونَ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ } [سورة التكوير: 29] وقوله تعالى: { مَّا كَانُوا۟ لِیُؤۡمِنُوۤا۟ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ یَجۡهَلُونَ } [سورة الأنعام: 111] وأيضًا قوله تعالى: { قُل لَّاۤ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِی نَفۡعࣰا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاۤءَ ٱللَّهُۚ } [سورة الأعراف: 188] وقوله تعالى: { قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ إِلَّا مَا شَاۤءَ ٱللَّهُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِیمٌ عَلِیمࣱ } [سورة الأنعام: 128] وهذا ينسجم تمامًا مع ما قررناه في الأجزاء السابقة: فالمشيئة تنظم أفعالنا وحياتنا، ولذلك فهي خاصة، متحركة، مرنة، متغيرة؛ أما الإرادة فهي عامة ثابتة، صلبة، لا تتبدل. ولهذا فإن سياق الاستثناء، المتعلق بنا، والذي يحتمل مرونة الانتقال من حال إلى حال، ومن احتمال إلى احتمال، يتناسب مع مرونة المشيئة الخاصة المتغيرة القريبة منا، والتي تجري وفق حكمة الله، ويبتعد عن صلابة الإرادة العامة الثابتة المرتبطة بعظمة الله. ولذلك، حتى حينما نريد فعل شيء أو نتمنى حدوثه، نقول: (إن شاء الله)، ولا نقول: (إن أراد الله)؛ لأن أفعالنا كلها قابلة للتغير والتبدل، ولذلك فهي محكومة بمشيئة الله المتغيرة، لا بإرادته الثابتة. ولهذا يقول تعالى: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟یۡءٍ إِنِّی فَاعِلࣱ ذَٰلِكَ غَدًا (23) إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُۚ (24) } [سورة الكهف: 23-24] ولم يقل: (إلا أن يريد الله). وهنا يبرز سؤال أكثر دقة: لماذا قال صاحب الجنة في سورة الكهف: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: ما أراد الله؟ يقول تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 39] ولو سألنا: ماذا حدث لهذه الجنة؟ يقول سبحانه: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ [الكهف: 42] فالجنة صحيح قد جعلها الله له، ولكنه نزعها منه، وأُهلكها. وهنا تظهر دقة التعبير القرآني. فكل ما يتعلق بأحوالنا من إيتاء ونزع، وغنى وفقر، وعز وذل، ومرض وشفاء، وغير ذلك من المتغيرات التي تجري على حياتنا، إنما ترتبط بالمشيئة الإلهية. لأن هذه الأمور متغيرة، وقابلة للانتقال من حال إلى حال؛ ولذلك يجري فيها فعل المشيئة التي تتعلق بالأحوال المتبدلة وفق حكمة الله. ولهذا يقول سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26] تأملوا: ﴿تُؤْتِي﴾، ﴿تَنزِعُ﴾، ﴿تُعِزُّ﴾، ﴿تُذِلُّ﴾. كلها أفعال تتعلق بأحوال متغيرة، ولذلك أسندها الله إلى المشيئة، وليس إلى الإرادة. وهنا تكتمل لنا الصورة: ما كان متغيرًا متبدلًا، تديره المشيئة بحكمتها؛ وما كان ثابتًا صلبًا، تديره الإرادة بعظمتها. ولذلك فإن تتبع هذه الألفاظ في القرآن ليس مجرد بحث في اختلاف الكلمات، وإنما هو كشف عن نظام بياني دقيق؛ نظام لا تأتي فيه الكلمة سدًى، ولا يوضع فيه اللفظ مكان لفظ آخر دون حكمة. ويبقى السؤال الذي يقودنا إلى الجزء القادم: هل ورد فعل الإرادة مرتبطًا بالهداية، من غير أن يأتي في جملة شرطية؟ وما الفرق بين الإرادة العامة المطلقة، وبين المشيئة الخاصة المقيدة؟ وهل يكشف هذا الفرق عن سرٍّ آخر من أسرار اختيار القرآن لألفاظه وتراكيبه؟ هذا ما سنكشفه ــ إن شاء الله ــ في الجزء القادم. من كتاب: «أنس القرآن وروعة البيان» للدكتور أنس كمال ساعد في النشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك المصدر: منتديات حبة البركة - من قسم: مواضيع إسلامية عامة |
||||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]()
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
مرحبا أيها الزائر الكريم, قرائتك لهذه الرسالة... يعني انك غير مسجل لدينا
في الموقع .. اضغط هنا للتسجيل
.. ولتمتلك بعدها المزايا الكاملة, وتسعدنا بوجودك