أهلا وسهلا بكم, يرجى التواصل معنا لإعلاناتكم التجارية

انت الآن تتصفح منتديات حبة البركة

العودة   منتديات حبة البركة > القسم الإسلامي > مواضيع إسلامية عامة
مواضيع إسلامية عامة أدعية وأحاديث ومعلومات دينية مفيدة

إضافة رد

 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم اليوم, 03:41 AM   #1


الصورة الرمزية مجموعة انسان
مجموعة انسان غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 4
 العلاقة بالمرض: مصابة
 المهنة: لا شيء
 الجنس ~ : أنثى
 المواضيع: 77332
 مشاركات: 6478
 تاريخ التسجيل :  Aug 2010
 أخر زيارة : اليوم (11:24 AM)
 التقييم :  95
 مزاجي
 اوسمتي
التميز مشرف مميز 
لوني المفضل : Cadetblue
شكراً: 9,478
تم شكره 17,570 مرة في 8,937 مشاركة
افتراضي المشيئة والإرادة (الجزء الرابع) 





تحدّثنا في لقاءٍ سابق عن الفرق بين مشيئة الله الخاصة وإرادته العامة، وقلنا إن بينهما فرقًا دقيقًا.
فمشيئة الله الخاصة متحركةٌ مرنة، تتعلق بتفاصيل الأشياء ووقائعها، وتتغير بتغيرها، وتجري جميعًا وفق حكمة الله سبحانه.
أما إرادته العامة، فهي ثابتةٌ صلبة، ماضيةٌ لا تُغلب ولا تُرد، ولا يخرج شيء عن سلطانها؛ لأنها متعلقة بعظمة الله وجلاله.
ومن هنا نستطيع أن نقترب من سرٍّ من أسرار استعمال القرآن لأدوات الشرط الداخلة على فعل الإرادة، ومنها ما ذكرناه سابقًا بخصوص «لو» الشرطية.
وقلنا: إذا دخلت «لو» على المشيئة، كان الكلام عن أمرٍ تتعدد وجوهه، ويمكن أن يقع هذا أو ذاك، ثم تتعلق مشيئة الله بأحدهما وفق ما تقتضيه حكمته.
أما إذا دخلت «لو» على الإرادة، فالسياق مختلف؛ لأن «لو» هنا قد تفترض أمرًا لا يليق بالله سبحانه أصلًا، فيأتي التعبير بالإرادة ليكشف ــ في سياق الفرض ــ بأن الله لو أراد لفعل، مع بيان أن الأمر المفروض مستحيل الوقوع.
ولذلك يلفت النظر أن القرآن أكثَرَ من اقتران «لو» بالمشيئة، بينما جاء اقتران «لو» بالإرادة في موضعين، وكلاهما في سياق أمرٍ لا يليق بالله سبحانه: اتخاذ الولد، واتخاذ اللهو.
قال تعالى:
{ لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن یَتَّخِذَ وَلَدࣰا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا یَخۡلُقُ مَا یَشَاۤءُۚ سُبۡحَـٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَ ٰ⁠حِدُ ٱلۡقَهَّارُ }
وقال سبحانه:
{ لَوۡ أَرَدۡنَاۤ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوࣰا لَّٱتَّخَذۡنَـٰهُ مِن لَّدُنَّاۤ إِن كُنَّا فَـٰعِلِینَ }
فلا الولد يليق بالله، ولا اللهو يليق بجلاله.
وهنا ندرك أن القرآن لا يتعامل مع «الإرادة» و«المشيئة» على أنهما لفظان مترادفان يمكن أن تحل إحداهما محل الأخرى دون أن يتغير المعنى، بل لكل منهما معنى يختلف عن الآخر.
ثم ننتقل إلى قضيةٍ أكثر دقة وحساسية: الهداية والضلال.
فإذا تأملنا القرآن وجدنا أن الهداية والضلال قد اقترنتا بالمشيئة في مواضع كثيرة، كقوله تعالى:
{ فَإِنَّ ٱللَّهَ یُضِلُّ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۖ }
وهذا ينسجم مع طبيعة المشيئة الخاصة؛ لأن الهداية والضلال من تفاصيل الحياة التي تتبدل وتتغير، كما يتبدل حال الإنسان نفسه.
فالعبد قد يكون اليوم مؤمنًا، ثم يزيغ، وقد يكون بعيدًا، ثم يهتدي.
وقد ينتقل من الضعف إلى القوة، ومن العز إلى الذل، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الفقر إلى الغنى.
ولهذا جاءت المشيئة متعلقة بهذه التفاصيل المتحركة والمتغيرة.
قال سبحانه:
{ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟یۡءٍ إِنِّی فَاعِلࣱ ذَ ٰ⁠لِكَ غَدًا (23) إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُۚ }
[سورة الكهف: 23-24]
وقال:
{ وَمَا تَشَاۤءُونَ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ }
[الإنسان:30]
وقال:
{ فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡ }
[الكهف:29]
وقال:
{ تُؤۡتِی ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَاۤءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَاۤءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاۤءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاۤءُ }
[آل عمران:26]

فكأن القرآن يرسم أمامنا مشهدًا متكاملًا:
كونٌ كامل يتحرك داخل مشيئةٍ متجددة، تتعامل مع المتغيرات، وتجري تفاصيلها وفق حكمة الله؛ وفوق هذه الحركة كلها إرادةٌ عظيمةٌ لا تُقهر.
لكن هنا...
تظهر المفاجأة.
فالهداية والضلال اقترنتا بالمشيئة في مواضع كثيرة، بينما اقترنت الهداية بالإرادة في موضعين، والضلال بالإرادة في موضع واحد فقط في كل القرآن.
في قوله تعالى:
{ فَمَن یُرِدِ ٱللَّهُ أَن یَهۡدِیَهُۥ یَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَـٰمِۖ وَمَن یُرِدۡ أَن یُضِلَّهُۥ یَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَیِّقًا حَرَجࣰا }
تأملوا الآية...
لم يقل:
«فمن يشأ الله أن يهديه»،
وإنما قال:
{ فَمَن یُرِدِ ٱللَّهُ أَن یَهۡدِیَهُۥ }
ولم يقل:
«ومن يشأ أن يضله»،
وإنما قال:
{ وَمَن یُرِدۡ أَن یُضِلَّهُۥ }
فلماذا غيّر القرآن اللفظ هنا؟
ولماذا ترك لفظ «المشيئة»، مع أنه اللفظ الذي تكرر مع الهداية والضلال في مواضع كثيرة، واختار بدلًا عنه «الإرادة»؟
هنا تبدأ الدقة الحقيقية في التعبير القرآني.
فالآية لم تأتِ في سياق جملة خبرية مطلقة، وإنما جاءت في سياق تركيب شرطي متعلق بـ«مَن» الشرطية:
{ فَمَن یُرِدِ ٱللَّهُ أَن یَهۡدِیَهُۥ... وَمَن یُرِدۡ أَن یُضِلَّهُۥ... }
وهنا يفتح لنا التركيب الشرطي بابًا من أبواب التأمل في العلاقة بين الإرادة، والمشيئة، واختيار الإنسان.
فلو كانت الإرادة الإلهية تتعلق بإيمان العبد وكفره على نحوٍ يلغي اختياره، لكان الإنسان مؤمنًا أو كافرًا قهرًا، ولإنتفت حقيقة الابتلاء.
وحين ينتفي الاختيار، ينتفي معنى التكليف، وينتفي معنى الحساب؛ لأن الإنسان لا يُحاسب على أمرٍ سُلِب فيه اختياره.
ولهذا اقتضت الحكمة أن يكون للإنسان اختيارٌ حقيقي في أصل الإيمان والكفر، والهداية والضلال.
فالله سبحانه لا يحتاج إلى أن يسلب عبده اختياره حتى يُظهر قدرته.
بل جعل للعبد مشيئةً واختيارًا، وجعل مشيئة العبد واقعةً تحت مشيئته سبحانه:
فإذا شاء العبد الكفر، شاء الله له الكفر الذي شاءه هو لنفسه.
وإذا شاء الإيمان، شاء الله له الإيمان الذي شاءه هو لنفسه.
وإذا غيّر العبد مشيئته، تغيرت معها مشيئة الله بما تقتضيه حكمته.
وهنا يظهر الفرق في أجمل صورة:
المشيئة تتعامل مع حركة الحياة، والإرادة تدل على سلطانٍ لا يُغلب.
المشيئة تتعلق بالمتغيرات، والإرادة لا تتغير.
المشيئة تجري في تفاصيل أفعال العباد وفق الحكمة، والإرادة تكشف عن سلطان الله الذي لا يُرد.
ولهذا يمكن أن نفهم لماذا كان التعبير القرآني في أكثر المواضع:
«يشاء»
وليس:
«يريد».
فحياتنا في تفاصيلها ليست قالبًا واحدًا جامدًا، وإنما هي سلسلة من الاختيارات والتحولات والانتقالات، والمشيئة الإلهية تتعلق بهذه الحركة كلها بحكمة بالغة.
وهنا يكتمل المشهد:
اختيارٌ من العبد، ومشيئةٌ من الله، وحكمةٌ تحكم الجميع، وإرادةٌ إلهية لا تُقهر.
ومن هنا نفهم أن الله سبحانه لم يجعل الإنسان مسلوب الاختيار في الإيمان والكفر، بل جعل له مجالًا يختار فيه، ثم رتّب على اختياره التكليف والحساب.
لكن القرآن حين قال:
{ فَمَن یُرِدِ ٱللَّهُ أَن یَهۡدِیَهُۥ... وَمَن یُرِدۡ أَن یُضِلَّهُۥ... }
اختار الإرادة لا المشيئة؟
وهنا تتجلى روعة التعبير.
فكأن الله يقول لنا: لو أردت أن أهديكم جميعًا أو أضلكم جميعًا لفعلت، ولما أعجزني شيء أبدًا.
لكن الله سبحانه أقام الحياة على سننٍ وحِكَم، ومن أعظمها أن يُبتلى الإنسان بما أُعطي من قدرة على الاختيار، ثم يُحاسب على ما اختاره.
ولهذا جاء التعبير في جملة شرطية؛ لأن أداة الشرط تفتح باب الفرض في الكلام، حتى وإن كان مستبعد الحدوث، ثم يأتي السياق ليكشف ما يترتب على ذلك الفرض.
وهذا من خصائص دخول أدوات الشرط على الإرادة الإلهية.
والتي تفتح لنا بابًا واسعًا لفهم دقة التعبير القرآني، وكيف يُبنى المعنى من خلال اجتماع الأداة بالفعل والسياق.
وكل ذلك سنقف عنده ــ إن شاء الله ــ في الجزء القادم.
ولاحظوا أنني قلت لكم:
«إن شاء الله»
ولم أقل:
«إن أراد الله».
فهل كان هذا مجرد اختلافٍ في التعبير؟
أم أن وراء اختيار «شاء» دون «أراد» معنى لا يمكن أن تؤديه الكلمة الأخرى؟

من كتاب: «أنس القرآن وروعة البيان»
للدكتور أنس كمال.

ساعد في النشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك





 
 توقيع : مجموعة انسان







رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية
مرحبا أيها الزائر الكريم, قرائتك لهذه الرسالة... يعني انك غير مسجل لدينا في الموقع .. اضغط هنا للتسجيل .. ولتمتلك بعدها المزايا الكاملة, وتسعدنا بوجودك

الساعة الآن 01:29 PM.


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026