
| مواضيع إسلامية عامة أدعية وأحاديث ومعلومات دينية مفيدة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#1 | ||||||||||||||
![]() ![]()
شكراً: 9,478
تم شكره 17,570 مرة في 8,937 مشاركة
|
"ما تركت لهم إلا التقوى". ليست تربية الأبناء طريقاً معبداً بالرضا، ولا رحلة يطمئن فيها الوالدان إلى أن ما زرعاه سيُثمِر على النحو الذي يحبان. فهي سفرٌ طويل في نفوس متلاطمة الأهواء، يبذر فيها الأبوان الحنو والإحسان، فيقابلان أحياناً بالتمرد أو العقوق، فيعتصر الهم القلب، ويُطبق الغم على الصدر. ولو علِم هذا القلب المتعب أن تعب التربية لا يُحمَل عبثاً، وأن الهم الذي يوقده الخوف على الذرية قد يكون كفارة تُطفئ ما تقدم من الذنوب؛ لتَبَدَل حزنه رجاء. قال ابن القيم رحمه الله: "إن من الذنوب ما لا يُكفره إلا الهم بالأولاد". فهنيئاً لمن احتسب سهره وصبره، وربى أبناءه على ما يحبه الله ويرضاه. وإذا ضاقت بالوالدين السبل من تمرد الأبناء، فليس لهما إلا أن يلوذا بباب الاستغفار؛ فما ضاقت إلا لتفتح، وما تعسرت إلا لتيسر. لقد كان سلفنا يلتمسون العظة في مآلات الأمور، لا في كثرة المال ولا في وسع الجاه. يُروى أن مقاتل بن سليمان دخل على أبي جعفر المنصور يوم بويع بالخلافة، فقال له المنصور: عظني يا مقاتل. فقال: أعظك بما رأيت أم بما سمعت؟ قال: بل بما رأيت. قال: يا أمير المؤمنين، إن عمر بن عبد العزيز أنجب أحد عشر ولداً وترك عند وفاته ثمانية عشر ديناراً؛ كُفِن بخمسة دنانير، واشتري له قبر بأربعة دنانير، ووزع الباقي على أبنائه. وهشام بن عبد الملك أنجب أحد عشر ولداً، وكان نصيب كل ولد من التركة مليون دينار. والله يا أمير المؤمنين، لقد رأيت في يوم واحد أحد أبناء عمر بن عبد العزيز يتصدق بمائة فرس للجهاد في سبيل الله، وأحد أبناء هشام يتسول في الأسواق. فانظر كيف انقلب الميزان! ميراثٌ قليلٌ من الدنيا، لكنه ارتوى بتقوى الله، فأثمر عطاءً وشهامة وعزاً. وميراث طائل من الذهب، لكنه خلا من الإيمان، فأنتج ذلاً ومسكنةً وضياعاً. وقد سُئِل عمر بن عبد العزيز رحمه الله وهو على فراش الموت: ماذا تركت لأبنائك يا عمر؟ قال: "تركت لهم تقوى الله؛ فإن كانوا صالحين، فالله تعالى يتولى الصالحين، وإن كانوا غير ذلك، فلن أترك لهم ما يعينهم على معصية الله". نعم؛ ترك لهم إرثاً لا يفنى ولا يبلى، ولا يعتريه فساد ولا سرقة؛ إرثاً يحفظهم حيث لا يُحفظ المال، ويغنيهم حيث لا يُغني الذهب. كثيرٌ من الناس يسعون ويكدون ويتعبون ليؤمنوا مستقبل أولادهم؛ يظنون أن وجود المال في أيديهم بعد موتهم أمان لهم، وغفلوا عن الأمان العظيم الذي ذكره الله في كتابه: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9]. قال ابن عباس في تفسيرها: "فهذا في الرجل يحضره الموت فيسمعه يُوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله سبحانه الذي سمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يُصنَع لورثته إذا خشي عليهم الضيعة". وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)؛ فبين صلى الله عليه وسلم أن الغنى الممدوح هو الذي لا يلجئ إلى ذل السؤال. فالمستفاد من هذا كله أن خوف الآباء على مستقبل أبنائهم لا يُعالج بجمع حطام الدنيا وتكديس الأموال بطرق قد تشوبها الشبهات أو تلهيهم عن الآخرة، بل يُعالج بتقوى الله أولاً، وبتربية سليمة تُغرس فيها العقيدة الصحيحة، والأخلاق الفاضلة منذ الصغر. وليكن لنا في عمر بن عبد العزيز أسوة؛ فما ضاع من توكل على الله، وما خاب من زرع التقوى في قلوب أبنائه، فإن الله يتولى الصالحين: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 2-3]. فيا أيها الوالد المتعب، ويا أيتها الأم الصابرة، لا تحزنا؛ فما تقدمونه من تربية وجهد في ميزان الله لا يضيع. واستغفرا ربكما، وادعواه أن يصلح ذرياتكما؛ فما خاب من استعان بالله، وما ندم من توكل عليه. فتحي صالح ساعد في النشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك المصدر: منتديات حبة البركة - من قسم: مواضيع إسلامية عامة |
||||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]()
|
![]() |
|
|
مرحبا أيها الزائر الكريم, قرائتك لهذه الرسالة... يعني انك غير مسجل لدينا
في الموقع .. اضغط هنا للتسجيل
.. ولتمتلك بعدها المزايا الكاملة, وتسعدنا بوجودك