
| مواضيع إسلامية عامة أدعية وأحاديث ومعلومات دينية مفيدة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
|
#1 | ||||||||||||||
![]() ![]()
شكراً: 9,478
تم شكره 17,570 مرة في 8,937 مشاركة
|
مما يلفت الإنتباه في البيان القرآني، أن الله سبحانه وتعالى حينما يمدح أنبياءه ورسله، أو يُبشّر بهم، كثيرًا ما يصفهم بأنهم من الصالحين، والأنبياء أنفسهم، حين يدعون الله، لا يطلبون منه أن يُلحقهم بالأنبياء، وإنما يسألونه اللحاق بالصالحين ! وهنا يبرز السؤال: لماذا يطلب الأنبياء أن يلتحقوا بالصالحين، رغم أن رتبة النبوة أعلى من رتبة الصلاح؟ أليس كل نبي صالحًا، بينما ليس كل صالح نبيًّا؟ بلى، ولكن في ذلك إشارة إلى حقيقة الجزاء، وقيمة العمل، وسرّ الاصطفاء الإلهي؟ لنتأمل هذه الآيات، وسنحاول أن نكشف ما وراء هذا التعبير القرآني من دلالات. فقد ورد في القرآن الكريم وصف الكثير من الأنبياء بالصلاح، ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا إبراهيم عليه السلام: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة: 130] وقال تعالى في عيسى عليه السلام: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46] وقال تعالى في يحيى عليه السلام: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39] وقال تعالى: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ} [الأنعام: 85] وقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ} [الأنبياء: 72] وقال تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85)وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ (86)} [الأنبياء: 85-86] وقال تعالى في يونس عليه السلام: {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القلم: 50] وقال تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 112] وكذلك وصف نوحًا ولوطًا عليهما السلام بالصلاح، في قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} [التحريم: 10] وغيرها من الآيات، وبما أنّ الصلاح ليس وصفًا خاصًّا بالأنبياء فقط، بل هو صفة تشمل كل من استقام على أمر الله واجتهد في طاعته. لذلك أمر الله جميع عباده بالصلاح، ولم يأمرهم بالنبوة؟ لأن الصلاح ميدان مفتوح لكل إنسان، بينما النبوة اصطفاء إلهي لا يناله الإنسان بمجرد سعيه. لذا نقول أنّ: الصلاح سعيٌ في ميدان العمل والنبوة رتبةٌ في مقام الاصطفاء. وهنا يكمن الفرق، فالنبوة هي مقام يختص الله به من يشاء من عباده، ولا يستطيع الإنسان أن يبلغ هذا المقام بمجرد اجتهاده، مهما بلغ من الطاعة والعبادة. بينما الصلاح، هو ميدان العمل الذي أمر الله به عباده جميعًا بأن يسعوا إليه، ليكون سعيهم موضع الجزاء. ولهذا، نجد أن الله حينما يمدح أنبياءه بالصلاح، لا يذكر رتبتهم فقط، وإنما يلفت أنظارنا إلى ما اتصفوا به من صفات، الإيمان والطاعة والاستقامة والعمل الصالح. لكي لا يأتي من يقول: أن هؤلاء قد اصطفاهم الله للنبوة، وكان بالإمكان أن يصطفي غيرهم، فأين فضلهم في ذلك؟ لذا يأتي الرد من القرآن ليقول لنا: إن الله قد اصطفى أنبياءه لعلمه المسبق، بهم وبعظيم صلاحهم، وبما يحملونه من صفات العبودية الخالصة له سبحانه. ومن هنا نفهم لماذا كان الصلاح حاضرًا في وصف الأنبياء، بل وحاضرًا حتى في دعائهم هم. لأن الأنبياء أنفسهم حينما يدعون الله يطلبون منه أن يلحقهم بالصالحين أو أن يهبهم من الصالحين. ونلاحظ هذا في دعاء إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [الشعراء: 83] وفي موضع آخر يقول: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100] ودعاء يوسف عليه السلام: {أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] ودعاء سليمان عليه السلام: {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19] فلماذا يطلب الأنبياء، وهم من أعلى الخلق منزلة، أن يُلحقوا بالصالحين؟ لأنهم يعلمون أن النبوة هي اصطفاء من الله، وأن الصلاح هو الميدان الذي تظهر فيه حقيقة العبودية، ويكون فيه السعي والاجتهاد، وعليه يكون الجزاء. لذا فهم لا يكتفون بما أُعطوا من مقام، بل يسألون الله أن يثبتهم على الصلاح، وأن يُلحقهم بعباده الصالحين. وهنا تتجلى دلالة عظيمة جدًا: وهي أن الأنبياء، مع علو مقامهم، لا يرون أن مقام النبوة يغنيهم عن العمل الصالح، بل يبقون في غاية الافتقار إلى الله، ويسألونه بأن يُلحقهم بالصالحين. ولذلك يمدحهم الله بصفة الصلاح إضافة إلى صفة النبوة. ولكن هذا لا يعني التقليل من مقام النبوة أبدًا، لأن النبوة من أعظم المقامات، بل المقصود هو أن الإصطفاء لا يُغني عن العمل، وأن المقام لا يكون بديلًا عن الصلاح. ولهذا نجد أن مقام النبوة لم يغن عن يونس عليه السلام شيئًا، فقد قال تعالى عنه: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145)} [الصافات: 143-145] فالله سبحانه يبيّن لنا هنا بأن التسبيح كان هو السبب في نجاة يونس عليه السلام وليس مقام النبوة، فالتسبيح عمل، والدعاء عمل، والصبر عمل، والعبودية عمل. والأنبياء ليسوا خارج ميدان العمل الصالح، بل هم أسبق الناس إليه، وأعظمهم قيامًا به. وقد بيّن الله أهمية هذا الأمر لرسوله وحبيبه وصفيه محمدًا ﷺ، كما في قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} [الإسراء: 74-75] وقال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)} [الحاقة: 44-47] وقال تعالى: { فَٱسۡتَقِمۡ كَمَاۤ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡا۟ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ (112) وَلَا تَرۡكَنُوۤا۟ إِلَى ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِیَاۤءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (113) } [هود: 112-113] وقال تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52] ففي هذه الآيات تتجلى حقيقة أن مقام النبوة لا ينفصل عن الاستقامة ولايغني عن العمل، بل إن العمل الصالح وإخلاص العبودية لله هو الأصل الذي تقوم عليه جميع المقامات، لذا نجد أن الله يحذر وينذر حتى حبيبه وأقرب عباده إليه، بل وبيّن له أن المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، ويريدون وجهه، لهم حرمتهم ومكانتهم، فلا يجوز أن يُطردوا أو يُنتقص من شأنهم. وهذا يكشف لنا عن عِظَمِ مقام الصلاح، وأنه ليس وصفًا هامشيًّا، بل هو أساس عظيم في ميزان الله ولهذا يسعون اليه انبياء الله قبل غيرهم رغم علو مقامهم. وهنالك ملمحٌ آخر يكشف عن كرم أخلاق الأنبياء ونُبلهم. وهو أنهم لو طلبوا اللحاق بامثالهم من الأنبياء فقط، لجمعهم الله مع بعضهم البعض، وسيُحرم الصالحون من أتباعهم، الذين صدّقوهم واتبعوهم، من أن يكونوا معهم، وهذا لا يليق بأخلاق الأنبياء ونبلهم، وإخلاصهم، وحرصهم على أتباعهم، ومحبتهم لعباد الله الصالحين، لذا فهم يريدون أن يجتمعوا بكل الصالحين على اختلاف العصور والأمم. فهم إخوة في الإيمان، وكما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] ولو تخيلنا أن كل نبي يطلب من الله بأن يُلحقه بالانبياء فقط، لحُرِمَ المؤمنون الصالحون من شرف اللقاء بهم، وهذا ما لا نتصوره لكرم الله أولًا ثم لكرم أنبيائه عليهم السلام ثانيًا، لأنهم لا ينظرون إلى منزلةٍ تميّزهم عن عباد الله، بل إلى العبوديةٍ التي تجمعهم بهم؛ لذا لا يريدون مقامًا ينفردون فيه، وإنما رحمةً يلتقون تحت ظلالها مع كل عباد الله الصالحين. لذا يقول تعالى: { وَمَن یُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰۤئِكَ مَعَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ وَٱلصِّدِّیقِینَ وَٱلشُّهَدَاۤءِ وَٱلصَّـٰلِحِینَۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰۤئِكَ رَفِیقࣰا } [النساء: 69] وهذا من نعيم الله علينا، فما أوسع الصلاح حين يجمع صفوة الخلق بسائر عباد الله، وما أعظم رحمة الله حينما تجعل طريق القُرب منه مفتوحًا لكل من أخلص في عبوديته. من كتاب: (أنس القرآن وروعة البيان) للدكتور أنس كمال ساعد في النشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك المصدر: منتديات حبة البركة - من قسم: مواضيع إسلامية عامة |
||||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]()
|
![]() |
|
|
مرحبا أيها الزائر الكريم, قرائتك لهذه الرسالة... يعني انك غير مسجل لدينا
في الموقع .. اضغط هنا للتسجيل
.. ولتمتلك بعدها المزايا الكاملة, وتسعدنا بوجودك