
| مواضيع إسلامية عامة أدعية وأحاديث ومعلومات دينية مفيدة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#1 | ||||||||||||||
![]() ![]()
شكراً: 9,478
تم شكره 17,570 مرة في 8,937 مشاركة
|
تحدثنا في الأجزاء السابقة عن مشيئة الله الخاصة؛ تلك المشيئة التي تتغير وفق حكمته، وعن إرادته العامة؛ تلك الإرادة الثابتة التي تليق بعظمته. واليوم نقف عند سرٍّ آخر من أسرار البيان القرآني؛ سرٍّ لا يكمن في الكلمة وحدها، وإنما في اختيار السياق الذي جاءت فيه الكلمة. سنتحدث عن دخول أدوات الشرط على فعل الإرادة، وكيف أن هذا التركيب القرآني لم يأتِ اعتباطًا، بل يكشف لنا عن معانٍ دقيقة تتجاوز ظاهر اللفظ، وتضعنا أمام عظمة الإرادة الإلهية وسلطانها الذي لا يُغلب. وقد بيّنا سابقًا أن دخول (لو) الشرطية على فعل الإرادة جاء في سياقات تفيد استحالة الوقوع، كما في سياق اتخاذ الولد واللهو من قبل الله، وبيّنا كيف جاء هذا الأمر في سياق الجملة الشرطية لبيان أنه داخل تحت قدرته سبحانه لو أراده، مع أن وقوعه مستحيل في حقه. وكذلك جاءت (مَن) الشرطية مع فعل الإرادة في سياق الهداية والضلال، لتكشف لنا عن سعة الإرادة الإلهية المطلقة، وأن الله قادر بإرادته العامة التي لا تُقهر على أن يهدي الناس جميعًا أو يضلهم جميعًا، ولكنه سبحانه لم يجعل سنته في عباده قائمة على الإكراه. فالله لا يُجبر عباده على الهداية ولا على الضلال، بل منحهم الاختيار، وعلى هذا الاختيار يكون الحساب والجزاء؛ إذ كيف يُحاسَب من لا اختيار له؟ ومن هنا يمكن أن نقول: إن أدوات الشرط حين ترد مع الإرادة الإلهية، فإنها لا تأتي لمجرد بناء الجملة، وإنما تأتي في سياق يلفت النظر إلى أحد معانٍ ثلاثة: احتمالٍ مستبعد، أو أمرٍ مستحيل، أو بيانٍ لعظمة إرادة الله التي لا تُرَدّ ولا تُغلب. واليوم ننتقل إلى أداة شرط أخرى، وهي (إن) الشرطية. وهنا تبدأ الدقة الأجمل. سنرى كيف وظفها القرآن مع فعل الإرادة، وكيف تنقلنا من مجرد الحديث عن وقوع الفعل إلى الحديث عن سعة الإرادة الإلهية وقدرتها التي لا يحدها شيء. واللافت أن القرآن في هذا السياق ضرب لنا الأمثلة بأفضل خلق الله وأقربهم إليه: الأنبياء. وكأن البيان القرآني يريد أن يقول لنا: إذا كانت الإرادة الإلهية لا يقف أمامها حتى أفضل خلق الله وأقربهم إليه، فمن يستطيع أن يقف أمامها؟ فمتى تعلقت إرادة الله بشيء، فلا يقف أمامها مقام، ولا منزلة، ولا كثرة، ولا قوة. فتأملوا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 38] تأملوا دقة التعبير: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ لم يقل: إذا أرادني الله بضر، وإنما قال: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾. فالسياق ليس في تقرير وقوع الضر، وإنما في بيان أن الأمر ــ إن تعلقت به إرادة الله ــ لا يستطيع أحد أن يدفعه أو يكشفه مهما كان. وهنا تأتي المفارقة التي تستحق التأمل: فإرادة الله لا يمكن أن تُرَد حتى وإن تعلقت بضر ـ على سبيل الفرض ـ يصيب حبيبه وصفيه عليه الصلاة والسلام. ولكن، هل الآية تقرر أن الله يريد برسوله عليه الصلاة والسلام الضر؟ قطعًا لا. ولهذا جاء التعبير بـ (إن)، وليس (إذا). فـ (إن) تأتي في سياق الاحتمالات القليلة الحدوث، المستبعدة أو النادرة والموهومة، بل تأتي حتى في سياق ما يستحيل وقوعه، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81] فنلاحظ أنه قال: ﴿إِن كَانَ﴾ ولم يقل: {إذا كان}. فهل للرحمن ولد؟ قطعًا لا. لذا نقول: إن (إنْ) الشرطية قد جاءت في سياق إرادة الضر بالرسول عليه الصلاة والسلام، لبيان أن هذا الاحتمال مستبعد، ولبيان أن إرادة الله لا يقف أمامها أحد، مهما كان، حتى وإن كان نبيه وحبيبه عليه الصلاة والسلام، وأيضًا لبيان أن آلهتهم لا يمكن أن تمنع إرادة الله. وطبعًا، ذِكرُ الرحمة هنا جاء في مقابل الضر، وأيضًا لن يستطيع أحد أن يمنعها. وهذا مشابهٌ لقوله تعالى: { ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦۤ ءَالِهَةً إِن یُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَـٰنُ بِضُرࣲّ لَّا تُغۡنِ عَنِّی شَفَـٰعَتُهُمۡ شَیۡـࣰٔا وَلَا یُنقِذُونِ } [يس: 23]. وأيضًا هنالك معنى مقارب لها في قوله تعالى: { وَإِن یَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرࣲّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥۤ إِلَّا هُوَۖ وَإِن یُرِدۡكَ بِخَیۡرࣲ فَلَا رَاۤدَّ لِفَضۡلِهِ } [يونس: 107]. رغم أنه مع الضر هنا لم يذكر الإرادة، بل ذكر المس فقط، بينما مع الخير ذكر الإرادة، أي ربط المس بالضر، والإرادة بالخير؟ وبلا شك أن الإرادة أقوى وأعظم من المس، وكأن الله يقول لنا... قد أمَسَّ رسولي بالضر من باب الابتلاء، ولكن لا يمكن أن أريد له إلا الخير. ثم انظروا كيف اتسعت دائرة المثال أكثر، حتى شملت اثنين من أصفياء الله، بل اتسعت حتى شملت من في الأرض جميعًا. يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 17] هنا جاء فعل الإرادة في سياق إهلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعًا. والمقصود ليس تقرير وقوع هذا الأمر، وإنما بيان أن هؤلاء جميعًا ــ مهما علت منزلتهم أو كثر عددهم ــ داخلون تحت سلطان الإرادة الإلهية، وأنه لو تعلقت إرادته بشيء، فلا يستطيع أحد أن يقف في طريقها. فجاءت الإرادة هنا في سياق نبي كريم من أنبياء الله، وهو سيدنا عيسى، وأمه معه عليهما السلام. والسؤال الآن: هل إن الهلاك، الذي هو بمعنى العذاب والدمار والانتقام والاستئصال، وارد في حق سيدنا عيسى وأمه؟ أم أنه مستحيل؟ ولهذا جاءت الإرادة هنا في سياق المستحيل مع عبدين منزلتهما كبيرة جدًا عند الله. ولكن مع ذلك: لو أراد الله أن يهلكهما لأهلكهما. بل لم تتوقف عظمة الإرادة عندهما، وإنما اتسعت لتشمل: ﴿وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. وهنا تتجلى عظمة المعنى: من كان قادرًا بإرادته على أن يهلك من في الأرض جميعًا، فمن ذا الذي يستطيع أن يقف أمام إرادته؟ ولهذا ختمت الآية بما يكشف عن عظمة الله وملكه وقدرته: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فكأن الآية تنتقل بنا من مجرد ذكر الإرادة إلى استحضار: الملك، والخلق، والقدرة. لأن الإرادة التي لا تُرَدّ، إنما تستند إلى مَلِكٍ ومالكٍ قدرته مطلقة. وانظروا كذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: 17] مرة أخرى يأتي التعبير: ﴿إِنْ أَرَادَ﴾ ليضعنا أمام عظمة الإرادة الإلهية: إن تعلقت بالسوء، فلا عاصم. وإن تعلقت بالرحمة، فلا مانع. ويقول سبحانه: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ [الفتح: 11] والمعنى يتكرر في السياق نفسه: من يملك شيئًا أمام إرادة الله؟ بل يتأكد هذا المعنى بصورة أوضح في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: 11] وهنا لم يكتفِ القرآن بذكر الإرادة، بل أعقبها مباشرة بقوله: ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾. وكأن التعبير يضع أمامنا حقيقة واحدة لا تحتمل الالتباس: إذا تعلقت إرادة الله بشيء، فلا قوة في الوجود تستطيع ردها. بل حتى في سياق الفتنة نجد هذا التعبير البديع في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: 41] وهنا نلاحظ أمرًا دقيقًا. فالإرادة هنا لم تقع على النبي ﷺ، وإنما على عباد آخرين، ليُبيّنَ الله لنا أن عظمة إرادته لا تتوقف عند حدود، ولا تستثني أحدًا. بل إن في الآية إشارة بالغة الدقة: حتى الرسول ﷺ، وهو حبيب الله وصفيه، لا يملك أن يقف أمام إرادة الله إذا تعلقت بأحد عباده. فإذا كان أقرب الخلق إليه لا يستطيع رد إرادته، فمن ذا الذي يستطيع إذن؟ ومن هنا يتضح لنا أن أدوات الشرط حين تدخل على الإرادة الإلهية لا تأتي عبثًا؛ فهي تضع الإرادة في سياق الاحتمال المستبعد، أو الأمر النادر، أو المستحيل، أو تأتي لتكشف عن عظمة إرادة الله المطلقة التي لا تُرَدّ، وأنه متى أراد شيئًا وقع، مهما عظم شأن من تعلقت به الإرادة، ومهما كثر عددهم، ومهما بلغت قوتهم. حتى إننا نجد التعبير القرآني: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ يرتبط كثيرًا بقضاء الله وإرادته المطلقة، لكنه لم يرتبط بالمشيئة أبدًا. فالإرادة بعظمتها تُوجد، والمشيئة بحكمتها تُدبّر وتنظّم وتقدّر. وهكذا يتجلّى لنا أن البيان القرآني لا يضع كلمةً في موضعها اعتباطًا، ولا يختار أداةً دون أخرى عبثًا؛ فلكل حرفٍ دلالته، ولكل سياقٍ سره، ولكل اختيارٍ حكمة. وقد رأينا كيف جاءت أدوات الشرط مع الإرادة لتكشف لنا عن إرادةٍ لا تُرَدّ، وسلطانٍ لا يُغلب، وقدرةٍ لا يقف أمامها شيء. لكن يبقى سؤالٌ آخر يفتح لنا بابًا جديدًا من أسرار هذا البيان: لماذا ورد حرف الاستثناء (إلا) مع المشيئة كثيرا، ولم يرد مع الإرادة أبدا؟ وهنا سيبدأ سرٌّ آخر من أسرار القرآن، سنقف عنده بإذن الله في الجزء القادم. من كتاب/ أنس القرآن وروعة البيان للدكتور أنس كمال ساعد في النشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك المصدر: منتديات حبة البركة - من قسم: مواضيع إسلامية عامة |
||||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]()
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
مرحبا أيها الزائر الكريم, قرائتك لهذه الرسالة... يعني انك غير مسجل لدينا
في الموقع .. اضغط هنا للتسجيل
.. ولتمتلك بعدها المزايا الكاملة, وتسعدنا بوجودك