
| مواضيع إسلامية عامة أدعية وأحاديث ومعلومات دينية مفيدة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#1 | ||||||||||||||
![]() ![]()
شكراً: 9,478
تم شكره 17,570 مرة في 8,937 مشاركة
|
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]. والتقوى في أصلها: خشيةُ الله تعالى، ومراقبتُه في السر والعلن، وفعلُ ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، على علم وبصيرة. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 233]. وقال ﷺ: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)، رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وقد أجمع العلماء على أن حقيقة التقوى هي فعل الطاعة واجتناب المعصية. قال ابن القيم رحمه الله: "وأما التقوى فحقيقتها: العمل بطاعة الله إيماناً واحتساباً، أمراً ونهياً، فيفعل ما أمر الله به إيماناً بالأمر وتصديقاً بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيماناً بالنهي وخوفاً من وعيده". وقال طلق بن حبيب رحمه الله في تعريفها: "أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله". وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل". وسُئِل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن التقوى، فقال لأُبيّ بن كعب: "أما سلكت طريقاً ذا شوك؟" قال: نعم. قال: "فما عملت فيه؟" قال: "تشمرت وحذرت". قال: "فذاك التقوى". فشبّه التقوى بالمشي في طريق مليء بالشوك، لا يُجتاز إلا بالحذر والتيقظ. وذكر ابن القيم رحمه الله أن للتقوى ثلاث مراتب: "إحداها: حمية القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات، والثانية: حميتها عن المكروهات، والثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني". وقد جعل السلف رحمهم الله للتقوى علاماتٍ يُستدَل بها عليها، ومن أجمعها ما ورد في الأثر الموقوف الذي يُروى عن داود الطائي وغيره من السلف رحمهم الله: "يُستدل على تقوى المؤمن بثلاث: حسن التوكل فيما لم ينل، وحسن الرضا فيما قد نال، وحسن الصبر فيما قد فات". وهذه العلامات الثلاث جديرةٌ بالبيان والشرح، كما يلي: أولاً - حسن التوكل فيما لم ينل: التوكل هو اعتماد القلب على الله وحده في جلب النفع ودفع الضر، مع تعاطي الأسباب المشروعة؛ إذ لا ينافي التوكلُ السعيَ، بل السعي في الأسباب طاعة، والتوكل على مسببها إيمان. وهو انصراف القلب إلى الله وحده في طلب ما لم يُدرَك بعد، مع تعليق الأمل بحكمته لا بالأسباب وحدها. فالمتوكل لا يستعجل، ولا ييأس، بل يوقن أن ما فاته من مطلوبٍ إنما هو بتقديرٍ حكيم، فيسكن قلبه إلى موعود الله. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]. وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصاً، وتروح بطاناً) أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم. فجمع الحديث بين التوكل القلبي، والسعي الظاهري في حركة الطير؛ غدوِها طلباً، ورواحِها شبعاً. فالمتقي إذا فاته مطلوبٌ لم ييأس، بل وكل أمره إلى الله، ووثق بحكمته، وسعى فيما يُستطاع من الأسباب. ومن أوضح الأمثلة القرآنية على التوكل: قول نوح عليه السلام لقومه: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ [يونس: 71]. ووجه الدلالة: أن نوحاً عليه السلام لما ثقل على قومه مقامه وتذكيره بآيات الله، وتهددوه بالقتل أو الطرد، لم يتراجع ولم يهادن، بل أعلن توكله على الله وحده، وتحداهم أن يجمعوا أمرهم مع شركائهم، وأن يجعلوا كيدهم ظاهراً غير مستور، ثم ينفذوا ما يريدون به دون إمهال. قال ابن كثير: "أي فإني لا أبالي ولا أكف عنكم سواء عظم عليكم أو لا". وقال السعدي: "أي اعتمدت على الله في دفع كل شر يُراد بي، وبما أدعو إليه، فهذا جندي وعدتي". فكان توكله في مواجهة أعدائه مع قلة أنصاره وكثرة خصومه، دليلاً على أن التوكل الحقيقي هو اعتماد القلب على الله مع الثبات على الحق؛ لا مجرد الأمل مع التخاذل. ثانياً - حسن الرضا فيما قد نال: الرضا هو سكون القلب إلى ما قضاه الله، وعدم تسخطه على ما آتاه أو منعه. وهو أن يستقبل المؤمن ما آتاه الله من نعمةٍ أو بلاءٍ بقلبٍ راض لا يعتب، فيرى في المنح فضلاً، وفي المِحن حكمةً. فإذا رضي، استحال البلاء في نفسه نعمةً، وتبدى الحرمان في عينه عطاءً. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]. قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: "يهدي قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه"، ذكره الطبري في جامع البيان، ورواه ابن أبي حاتم وغيره. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 2]. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) رواه الترمذي وحسنه. فإذا علِم المؤمن أن العطاء والمنع بيد الله وحده، استقام قلبه على الرضا، ولم يعترض على قضاء ربه. ومن أوضح الأمثلة القرآنية على الرضا: استسلام إسماعيل عليه السلام لأمر الله حين أخبره أبوه إبراهيم عليه السلام برؤياه في ذبحه، فقال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]. ووجه الدلالة: أن إسماعيل عليه السلام لم يسأل عن سبب الأمر، ولم يطلب تأخيراً، ولم يجزع، بل أمر أباه بالمضي في تنفيذ ما أُمِر به، ووعد بالصبر عليه. قال ابن كثير في تفسير الآية: "أي ستجدني صابراً على ذلك، لا أجزع ولا أضجر". وقال السعدي: "فأجاب أباه بذلك جواباً بليغاً، يدل على كمال بره وطاعته، وعلى كمال رضاه بقضاء الله". فلما استسلما جميعاً لأمر الله، ناداه الله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: 105]، فكان رضاه بقضاء الله في أشد المواقف وأصعبها دليلاً على أن الرضا الحقيقي هو سكون القلب إلى حكم الله، مع عدم الجزع ولا الاعتراض، وإن كان القضاء مراً مخالفاً للهوى. ثالثاً - حسن الصبر فيما قد فات: الصبر هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن الشكوى، والجوارح عن المعصية، عند فوات محبوبٍ أو حلول مكروه. وهو أن يمسك المؤمن على قلبه إذا انفلت من يده شيءٌ من الدنيا، فلا يحسر على ما مضى، ولا يذوب أسفاً على ما سُلِب، بل يمضي قدماً واثقاً بأن ما فاته لو كان له ما تُرِك، وأن ما مضى قد كُتِب في اللوح المحفوظ. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» رواه مسلم. وقال ﷺ: (لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده أو في ماله أو في ولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة) رواه أحمد، والترمذي وقال: حسن صحيح. ومن أوضح الأمثلة القرآنية على الصبر: قول الله تعالى في أيوب عليه السلام: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]. ووجه الدلالة: أن أيوب عليه السلام ابتُلي في ماله وولده وجسده، وطال بلاؤه حتى رفضه القريب والبعيد، ولم يبقَ له إلا زوجته، ومع ذلك لم يجزع ولم يشكُ إلى الخلق، بل نادى ربه بأدبٍ فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]، فلم يسأل رفع البلاء صراحةً، بل وصف حاله وذكر رحمة ربه، تأدباً مع الله وتسليماً لقضائه. قال ابن كثير في تفسير آية ص: "أي: وجدناه صابراً على ما ابتليناه به". وقال السعدي: "حيث صبر فأثبناه من رحمتنا ثواباً عاجلاً وآجلاً". ثم ذكر الله جزاءه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 84]. فكان صبره على ما فات من مالٍ وولدٍ وصحةٍ، مع عدم الشكوى والجزع، دليلاً على أن الصبر الحقيقي هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التسخط، مع اليقين بأن عاقبة الصبر الفرج والمخرج. خاتمة: وهذه الثلاثة أحوال في الحقيقة نسقٌ واحد: توكلٌ يمنع القلق على المستقبل، ورضا يمنع السخط على الحاضر، وصبرٌ يمنع الحسرة على الماضي. فإذا اجتمعت في قلبٍ، اطمأنت نفسه، واستقامت جوارحه، وكانت تقواه راسخةً كالجبل لا تحركها ريحٌ ولا يزحزحها حادث. وهذه الخصال الثلاث من أعمال القلوب التي عليها مدار التقوى؛ إذ التقوى في أصلها خشيةٌ في القلب، تظهر آثارها على الجوارح، وتنعكس على السريرة والعلانية. ومن جمعها فقد استقامت سريرته، واطمأنت نفسه إلى موعود ربه. نسأل الله أن يرزقنا حسن التوكل عليه، وحسن الرضا عنه، وحسن الصبر على قضائه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. فتحي صالح ساعد في النشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك المصدر: منتديات حبة البركة - من قسم: مواضيع إسلامية عامة |
||||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]()
|
![]() |
|
|
مرحبا أيها الزائر الكريم, قرائتك لهذه الرسالة... يعني انك غير مسجل لدينا
في الموقع .. اضغط هنا للتسجيل
.. ولتمتلك بعدها المزايا الكاملة, وتسعدنا بوجودك