
| مواضيع إسلامية عامة أدعية وأحاديث ومعلومات دينية مفيدة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#1 | ||||||||||||||
![]() ![]()
شكراً: 9,478
تم شكره 17,570 مرة في 8,937 مشاركة
|
هل يمكن أن يقول الإنسان قولًا صحيحًا في ذاته، موافقًا لكلام الله، ثم يذمّهُ الله ويُكذّبَهُ بسبب هذا القول؟ نعم. وهذه من أدق المواضع التي تكشف لنا بأن الحق لا يُعرف بمجرد الألفاظ، وأن تشابه العبارات لا يعني تشابه المقاصد. تأملوا هذا المشهد القرآني العجيب: يقول الله سبحانه: ﴿وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ مَاۤ أَشۡرَكُوا۟ۗ وَمَا جَعَلۡنَـٰكَ عَلَیۡهِمۡ حَفِیظࣰاۖ وَمَاۤ أَنتَ عَلَیۡهِم بِوَكِیلࣲ﴾ [الأنعام: 107] ثم يقول عن المشركين: ﴿سَیَقُولُ ٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوا۟ لَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ مَاۤ أَشۡرَكۡنَا وَلَاۤ ءَابَاۤؤُنَا وَلَاۤ حَرَّمۡنَا مِن شَیۡءࣲ...﴾ [الأنعام: 148] ضعوا الآيتين جنبًا إلى جنب: الله يقول: ﴿وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ مَاۤ أَشۡرَكُوا۟﴾ والمشركون يقولون: ﴿لَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ مَاۤ أَشۡرَكۡنَا﴾ أليس الكلام واحدًا؟! بلى، التعبير متشابه إلى حد التطابق تقريبًا. لكن النتيجة مختلفة تمامًا. فالله سبحانه أخبر عن نفاذ مشيئته، وأن وقوع الشرك لم يكن خارج سلطانه ومشيئته. أما المشركون، فقد حوّلوا هذه الحقيقة إلى حجة لتبرير شركهم وإسقاط مسؤوليتهم عن أنفسهم. وهنا وقع الخلل. لم يقولوا: وقع الشرك بمشيئة الله ونحن مسؤولون عن اختيارنا. بل أرادوا أن يقولوا: لو كان الله لا يريد منا الشرك، لمنعنا منه؛ وبما أنه شاء وقوعه، فقد أصبح شركنا أمرًا محتومًا، فلا ذنب علينا ولا مسؤولية. أي أنهم أرادوا أن يجعلوا مشيئة الله عذرًا لشركهم. فجاء الرد الإلهي حاسمًا في تكذيبهم وفي نفس الآية: { كَذَ ٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمࣲ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَاۤۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ } [الأنعام: 148] فالمشكلة ليست في أنهم أثبتوا مشيئة الله؛ بل لأنهم ادّعوا علمًا بما أراده الله منهم، ثم جعلوا هذا الادعاء ذريعة لتبرئة أنفسهم من فعلهم اي انهم لم يكذبوا في قولهم بل كذبوا في نواياهم ! ومن هنا نفهم قضية دقيقة جدًا: ليس كل ما يقع بمشيئة الله يكون محبوبًا له، وليس كل ما شاء الله وقوعه يكون قد أمر به أو رضي به. فالشرك قد وقع بمشيئة الله، لكنه لم يقع أمرًا منه ولا رضًا به. والعبد له مشيئة واختيار، لكن مشيئته لا تستقل عن مشيئة الله. لأن الله يشاء لعبده ما يشاءه هو لنفسه كفرا كان أم ايمانا، لذا قال تعالى: { فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ } [الكهف: 29] وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاۤؤُونَ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [التكوير: 29] ويقول تعالى: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟یۡءٍ إِنِّی فَاعِلࣱ ذَ ٰلِكَ غَدًا (23) إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُۚ .. } [الكهف:24-23] فالعبد يشاء ولكن لا يتحقق له ما شاء إلا اذا شاء الله له ما شاء، لان مشيئة العبد لا تخرج عن مشيئة الله. فإذا شاء العبد الإيمان، شاء الله له الإيمان الذي شاءه هو لنفسه، وإذا شاء الكفر، شاء الله له الكفر الذي شاءه هو لنفسه. اي ان إيمان العبد وكفره لا يخرجان عن مشيئة الله. لكن وجود الفعل في دائرة مشيئة الله لا يلغي مسؤولية العبد عن اختياره لأن الله لا يجبر احدا لا على الإيمان ولا على الكفر . وهذا هو الفارق الذي حاول المشركون طمسه. لقد أخذوا حقيقة صحيحة، ثم بنوا عليها نتيجة باطلة. وهذا أخطر أنواع الباطل؛ لأنه لا يأتيك دائمًا في صورة كلام كاذب، بل قد يأتيك في صورة كلام صحيح أُريد به باطل. وهنا تكمن العبرة: فقد تتطابق الكلمات، وتختلف النوايا. وقد تتشابه العبارات، وتتناقض المقاصد. ولهذا لا يكفي أن تسمع ماذا قال فلان... بل اسأل: ما الذي أراد أن يثبته بهذا القول؟ وما النتيجة التي يريد أن يصل إليها؟ وهل استخدم الحق للوصول إلى الحق، أم استخدمه ستارًا للوصول إلى الباطل؟ فالمشركون لم يذمهم الله لأنهم قالوا إن الشرك وقع بمشيئته؛ وإنما ذمهم لأنهم جعلوا من مشيئة الله حجةً على تبرئة أنفسهم من الشرك، واحتجوا بأمر غيبي لا علم لهم به. وهنا تظهر خطورة النية والمقصد: فليس كل من نطق بكلام الحق من أهل الحق، وليس كل من استشهد بآية قد أراد بها وجه الله. فقد يردد الإنسان كلام الله، ويستشهد بكلام الله، بل وقد يوافق كلامه ظاهرَ كلام الله... ثم يكون هو أبعد الناس عن مراد الله! لأن العبرة ليست بالألفاظ وحدها، وإنما بما وراء الألفاظ من مقاصد ونوايا. فاحذر... فقد يتشابه الكلام، لكن تتباين المقاصد. وقد يتطابق اللفظ، لكن يفترق الطريق. وقد يكون الكلام حقًا... ولكن يراد به باطلًا. وقد يصدق اللسان....ولكن تكذب القلوب. من كتاب «أنس القرآن وروعة البيان» للدكتور أنس كمال ساعد في النشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك المصدر: منتديات حبة البركة - من قسم: مواضيع إسلامية عامة |
||||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]()
|
|
|
مرحبا أيها الزائر الكريم, قرائتك لهذه الرسالة... يعني انك غير مسجل لدينا
في الموقع .. اضغط هنا للتسجيل
.. ولتمتلك بعدها المزايا الكاملة, وتسعدنا بوجودك