
| مواضيع إسلامية عامة أدعية وأحاديث ومعلومات دينية مفيدة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
|
#1 | ||||||||||||||
![]() ![]()
شكراً: 9,478
تم شكره 17,570 مرة في 8,937 مشاركة
|
لو استطعت أن ترى العالم كما يصوره القرآن، فلن يقتصر بصرك على تضاريس المدن والجبال والبحار ولكن ستتسع رؤيتك لتشمل صفوفاً كونية لا تنتهي. سترى صفوفاً في السماء، وأخرى في الأرض، وصفوفاً تتشكل في الجنة، ومثلها في النار. ربما لو أمعنت النظر، لرأيت في أعماقك أنت أيضاً صفاً يتشكل كل يوم، يختبر اختياراتك ومواضع خضوعك ولحظات اقترابك وابتعادك. الكون في منظور القرآن ليس فوضى من الكائنات تتحرك كيفما اتفق، ولا مشاهد متناثرة يجمعها حيز المكان. هو كون شديد الانضباط، ينتظم حول قطب الولاء والطاعة، ويطوف في فلكه سؤال واحد يتردد بأشكال شتى: أين تقف؟ سورة "الصافات" من أهم السور التي ينجلي فيها هذا المعنى.. لا تستهل آياتها بقصة تاريخية، ولا بحكم فقهي، ولا بوعد أو وعيد. تبدأ بمشهد حي، مهيب، تكاد تسمع إيقاعه المنتظم قبل أن تراه. ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾. صفوف مرتبة متتالية. تتحرك بدقة.. تسمع وتطيع، وتسبح. عبر هذا المشهد تفتتح السورة مسارها، ليس لتسرد لك معلومات عن الملائكة أو الشياطين، ولا لتقص عليك أخبار الأنبياء أو أحوال الآخرة فحسب ولكن لتطرح عليك السؤال المركزي الذي تتفرع منه جميع تلك المشاهد.. إلى أي صف تنتمي؟ السورة تعرض عليك كيف يبدو الكون كله حين يصطف خاضعاً لخالقه، ثم تتركك واقفاً أمام هذا المشهد، لا لتتأمله من بعيد كمتفرج وإنما لتبحث بجدية عن مكانك فيه. منذ الآية الأولى، تشعرك السورة أنك لست مجرد مستمع تستقبل وعظاً هادئاً.. أنت صاحب موضع معلوم في عالم يتحرك بإيقاع صارم. أوامر، وزجر، وطاعة، وامتثال.. حركة منضبطة تلفظ الفوضى والميوعة.. اللافت أن السورة لا تخبرك في البدء بهوية هؤلاء المصطفين، لا تخبرك الآيات أولًا من هؤلاء. كأن الأسماء ليست هي المهمة... المهم أن ترى المشهد قبل معرفة الأسماء. ثم ينجلي الستار لتكتشف أنهم الملائكة، لكنهم لا يُعرضون هنا كمجرد مخلوقات نورانية، بل كنموذج أعلى للجندية الصادقة والخضوع الكامل. صفوف وزجر وذكر. حركة منضبطة لا تعرف الفوضى. وكل فرد فيهم يدرك مقامه، ومهمته، وحدوده؛ فلا يتقدم خطوة ولا يتأخر أخرى إلا بأمر قائده الأعلى. ثم ينكشف الستار شيئًا فشيئًا؛ إنهم الملائكة. السورة لا تعرضهم بوصفهم مخلوقات نورانية فحسب، وإنما بوصفهم النموذج الأعلى للطاعة والانضباط. كل منهم يعرف مقامه، وحدوده، ومهمته، فلا يتقدم خطوة، ولا يتأخر أخرى، إلا بأمر ربه. لعل هذا هو سر اختيار اسم السورة. الصآفات. فالاصطفاف في الوجدان الإنساني ينحصر غالباً في مسارين.. اصطفاف لعبادة، أو اصطفاف لحرب. سورة الصافات تنسج المعنيين معاً في سياق معجز. سورة تجمع بين اصطفاف الصلاة واصطفاف الحرب.. بين التسبيح والمواجهة.. ترسم صفين متقابلين يمتدان بوضوح من أول آية إلى آخرها.. صف جنود الرحمن، في مواجهة صف جنود الشيطان لكن بمفهوم مختلف للمعركة بينهما.. عادة يميل الخلق إلى اختزال المعارك في ضجيج التدافع، واصطدام الأجساد، وسيل الدماء، متغافلين عن صراع أوسع وأعظم يمتد خلف حدود الدنيا الضيقة. صراع صامت هائل مهيب، تدور رحاه في جنبات الغيب منذ بدء الخليقة في اصطفاف كوني لا يعرف الهدوء؛ بين جنود من نور لا يعصون الله ما أمرهم، ومردة من نار يتمردون فيُقذفون دحوراً، وبشر يتأرجحون في المنتصف، يحاول كل منهم أن يثبت موضع قدميه حين يشتد الزحام وتحمى المعركة. وكلما توغلت في آيات السورة انفتحت أمامك مشاهد متتابعة لهذه المعركة الكونية المتصلة.. يبدأ الأمر باستعراض مهيب للحراسة الكونية العظمى: ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾. تصوير يخلب اللب.. شياطين تتسلل خلسة لاستراق السمع، فتلاحقها الشهب الثاقبة طرداً ودحوراً. حتى التمرد في هذا الكون المنضبط = مقيد ومحاصر، وإبليس وجنده يعيشون تحت وطأة الرجم والمطاردة. النظام الكوني محكم الإغلاق، وانضباط جنود الحق يتجاوز في تماسكه أي محاولة بائسة لاختراقه بفوضى المارقين. ثم تنتقل السورة في ومضة مذهلة لتعرض مشهد البعث، وكأن عدسة الرؤية تهبط من الآفاق العلوية لتستقر مباشرة في ساحة الحشر: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾. الحياة التي أمضاها هؤلاء في الاستهزاء والعبث تنتهي بصيحة واحدة قاهرة. وتلك القضية التي استبعدوها طويلاً تقع فجأة وتملأ أفواههم بالمرارة واليقين المتأخر: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَٰذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. هنا يبرز مشهد الأسرى المهزومين بعد انجلاء غبار المعركة: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾. تأمل هذا التتابع الصارم في الأوامر: احشروا… فاهدوهم… وقفوهم… يُساقون سوقاً ذليلاً كأسرى حرب منكسرين. حتى كلمة ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ في هذا الموقف تسري في الأوصال برهبة غريبة.. هي هداية إجبارية نحو الهاوية عقاباً على استكبارهم عن هداية النور في الدنيا. وتختم هذه الحسرة بتلك الكلمة شديدة الوطأة: ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. مُحضرون. تأمل وقع الكلمة... أحضروه... هاتوه. هنا تتخيلهم وقد جيء بهم مقيدين، مجردين من أي حيلة. انقطعت سبل الهرب، وتلاشت مساحات التأخير، وسقطت كل فرص المساومة. في قلب هذا كله، يشع الاستثناء المضيء الذي يتردد كإيقاع داخلي ينتظم به نبض السورة كلها: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. كلما خيم شبح الهلاك والعذاب، انفتحت هذه النافذة المنيرة وخرج الاستثناء لتنسم أرواح الناجين وسط الدخان الكثيف... ثم تستعرض السورة مشاهد النعيم كأنها غنائم استحقها الصف المنتصر بجدارة: ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ﴾. سرر متقابلة يظللها الود. وكأس من معين تفيض بالصفاء. وسكينة عميقة تمسح عن النفوس كل ما علق بها من تعب الأرض ونصبها. ووسط هذه الطمأنينة، يطل مشهد يصنف ضمن أعمق مشاهد القرآن نفسيا.. مشهد "القرين". ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾. هنالك يعود صدى ذلك الصوت القديم. صوت السخرية اللاذعة التي تتستر بثوب الصحبة، لتنتهي بصاحبها إلى هاوية بلا قرار. يطلب المؤمن الاطلاع على حال رفيقه القديم: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. مفارقة تقطع الأنفاس. رفيق الأمس الذي كان قريباً منه، يرسف الآن في قعر النار. وعندها تفيض المشاعر لتشكل تلك العبارة التي تُكتب بماء القلب: ﴿تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. "نعمة ربي".. هذه هي الكلمة الفاصلة وطوق النجاة الوحيد. ذكاء الإنسان، وثقافته، وما تطلق عليه القواميس الحديثة "القوة النفسية"، تقف جميعها عاجزة في تلك اللحظات الحرجة؛ لتبقى العناية الإلهية المحضة هي الملاذ. النجاة في حقيقتها هي رحمة يتفضل الخالق بها على عباده، وتوفيق يسبغ به حمايته على من اختار الهدى. ثم يتوج هذا المشهد بهتاف الفرحة.. هتاف فوز أهل الجنة النابع من يقين مذهل أدركوا قيمته أخيراً حين عاينوا الجنة ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. على الضفة المقابلة، يُرفع الستار عن المشهد المروع... مأدبة الصف المهزوم وطعامهم: شجرة الزقوم. ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. يقف العقل هنا مشدوهاً أمام هذه الاستعارة المخيفة. من ذا الذي رأى شيطاناً من قبل؟ كيف تستعير البلاغة القرآنية صورة مجهولة لتقريب مشهد مجهول آخر؟ الجواب يكمن في سيكولوجية الرعب ذاتها. الصورة اكتملت في الوجدان قبل أن تراها الأعين... فالشيطان يستقر في المخيلة البشرية في خانة الكراهية المحضة والتوجس العميق، والخيال الإنساني بطبيعته يتكفل برسم أبشع الملامح وأقبحها لكل ما يبغض. فهذا التشبيه يغرس في النفس وحشة وانقباضاً يتجاوزان أي رسم مباشر، وكلما توغل التشبيه في الغموض؛ تضاعفت مساحات الفزع في القلوب. ثم تتوالى بعد ذلك مواكب الأنبياء الكرام.. نخبة صف البشر وصَفوتهم.. نوح.. إبراهيم.. موسى وهارون.. إلياس.. لوط.. يونس. كل هؤلاء يذكرون في السورة بتفاوت لكن خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام يستحوذ على مساحة الصدارة في السورة ويشغل قلبها بصفته النموذج الأسمى للجندية المؤسسة على التعظيم المطلق... والاستسلام الكامل.. ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ شهادة إلهية خالدة، تصف قلباً بريء من الحمية الجاهلية وطُهر من دنس الأوثان، وتخلص من كل تعلق بالأعراف الموروثة التي قد تزاحم الخالق في زواياها. وعبر هذا الاستسلام الكامل يطلق سؤاله الكاشف في وجه قومه، وفي وجه كل بائس ومتردد إلى يوم القيامة: ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. السؤال الذي يمثل حجر الزاوية في بنيان الإيمان. ما هو ظنك بربك؟ هل تتوقع منه التضييع؟ هل تتخيل أنه يمنعك حين تقبل عليه؟ هل تظنه يخذل من تعلق به صادقا؟ إن المواقف، والتضحيات، والمخاوف، والإقدام، والتردد؛ جميعها انعكاس حرفي ودقيق لطبيعة ظنك بخالقك. من هذا الظن الشاهق، ينتقل الخليل مباشرة إلى حيز الفعل. حركة خاطفة، ذكية يلخصها القرآن في لفظة مذهلة ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ﴾. يتسلل في خفية، يمر بين جدران المعبد الصامتة، ليقف وحيداً أمام جبال من الحجارة الصماء التي ترتعد لها قلوب الآلاف. ينظر إليها في هدوء، ويضع أمامها الطعام في تهكم مرير.. ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ﴾. الصمت مطبق، والوهم يتهاوى في نفسه قبل أن يرفع يده. ثم تأتي الضربة القاضية الحاسمة: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾. هنالك سقطت هيبة السنين تحت وطأة قوة مؤمنة لم تر في الآلهة المزعومة سوى حجارة منحوتة لا تملك لنفسها نفعاً. وحين يكتشف السدنة الكارثة، يتحرك الهوس الجمعي في ثورة عارمة.. ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾. يهرعون إليه في حالة من الهياج والجنون، ويحيطون به متوعدين. وفي خضم هذا الطوفان البشري الهائج، يقف إبراهيم بثبات مدهش، يجابه هراواتهم وصخبهم بسؤال يمزق كبرياءهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ . كيف ينحني العاقل لشيء شكلته أصابعه؟ وأمام هذا العجز الفكري الفاضح يلجأ الضعيف إلى سلاحه التقليدي الأخير.. القوة الغاشمة. ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾. النيران الهائلة والمحرقة العظيمة التي شيدوها بجهد مضاعف، كانت محاولة بائسة لغسل عارهم وإذلال هذه القوة الفردية التي زلزلت أركان عقيدتهم. لقد خططوا، وحشدوا، وأرادوا به كيداً تضيق به الجبال، لتتدخل سنن الخالق وتقلب الموازين في لحظة ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾. سقطت هيبتهم مرة أخرى بعد هيبة أصنامهم، وباد كيدهم، وخرج المستخلص من أتون النار نقياً، وافر الكرامة. لكن هذه النجاة الإعجازية لم تورث إبراهيم رغبة في البقاء أو التفاهم معهم، ولكنها دفعته نحو المفاصلة التامة والخلوص الكامل. ينفض غبار المعركة عن ثيابه، ويلتفت وراءه معلناً المغادرة: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. يفارق الجغرافيا المألوفة، ويترك الأهل والديار، ليمضي في طريق موحش ربما لا يعرف تفاصيله المادية.. لكنه يثق تماماً بالدليل. وفي عتمة الغربة والوحدة، تطل مساحة إنسانية دافئة من قلب هذا الثابت الراسخ.. حين يشتاق إلى أنيس يشاركه الصَف، ويسير معه في درب العبودية الطويل، فيرفع يديه بالدعاء ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. دعوة خاشعة تنشد امتداداً للصف المؤمن؛ فيأتيه الجواب الإلهي سريعاً يربت على فؤاده ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾. بشرى بغلام يتصف بالحلم والوداعة، وكأن هذه الصفة جاءت مفصلة بدقة لتناسب حجم الطاعة والابتلاء الصعب الذي ينتظر هذا الوليد في مقبل الأيام. ومن هنا تأتي في سورة الصافات تفاصيل القصة الأعظم لتتوج هذا الظن الحسن والاستسلام الطوعي.. مشهد الرؤيا... والذبح.. الحدث هنا يتجاوز حدود التضحية المادية ليقفز إلى آفاق التعظيم الكامل. ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾. إن هذه الكلمة؛ "أسلما" = تقطع الطريق على كل جدال وتنهي أي محاولة للمساومة.. تُنحي العاطفة الأبوية الجارفة جانباً ولا يبرز إلا الاستسلام الخالص.. أب يضع شفرة السكين على عنق ابنه الوحيد في استجابة ناصعة للأمر الإلهي. في هذه اللحظة العصيبة، يستقر المعنى الأوضح للسورة.. لا يسبق مقام الخالقَ في قلبك شيء... المحبة له أولاً.. والمراد مراده، قبل مراد النفس وقبل كل هوى. لذلك استحق اليوم الذي وقعت فيه تلك التضحية - يوم النحر - أن يتوج كأعظم الأيام عند الله.. فهو الموعد الكوني لإعلان هذه الحقيقة على الملأ: أن الله أعظم... والله أكبر هكذا بإطلاق ودون ذكر مفضول لأن المفضول محذوف تقديره = كل شيء.. وأي شيء.. إن التضحية تمثل الثمرة المباشرة لغرس التعظيم والمضحّي لا يقدم ما يقدمه إلا لأن ما عند الله تعاظم في قلبه حتى تضاءل بجواره كل مرغوب يتركه وراء ظهره. وبهذا اليقين، وضع إبراهيم ولده تحت الشفرة.. وبه اختار يوسف عتمة السجن مصرحا أنه أحب إليه من معصية ربه.. وبه جاد صهيب الرومي بحصيلة عمره ليهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه استقبل خبيب بن عدي الموت مبتسماً غير مبالٍ على أي جنب يكون مصرعه. المنبع واحد، والمحرك واحد.. الله أكبر. الله أعظم.. ثم تتوالى مواكب الأنبياء في السورة لتكمل رسم الصف المهيب عبر العصور. هؤلاء هم قادة البشرية وصَفْوتها. وكل منهم قد خاض معركته الخاصة في خندق مختلف، وواجه امتحاناً مغايراً ليخرج في النهاية حاملاً وسام الشرف ذاته. وسام العبودية.. يبدأ الموكب بشيخ المرسلين، نوح عليه السلام. رجل يقف وحيداً في وجه طوفان من التكذيب والعناد امتد لقرون طويلة، حتى استنفد كل أسباب الأرض، فأطلق نداءه المقتضب المنهك: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. نداء جندي ضاقت عليه السبل، فكانت الإجابة وكانت النجاة من الكرب العظيم. طويت صفحة العالم القديم الغارق في الوحل، وجُعلت ذرية هذا العبد الشكور هم الباقين، وخلّدت ذكره بتحية تعبر حدود الزمن.. ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾. ثم يمر موكب موسى وهارون عليهما السلام. وهنا تتغير ملامح المعركة إلى مواجهة شرسة ومباشرة مع أعتى طواغيت الأرض وأكثرهم دموية. والنجاة في هذا المشهد تأتي مصحوبة بالنصر والتمكين: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. لقد خاضا غمار الاستضعاف المرير، فكافأهما الله بالكتاب المستبين، وهداهما الصراط المستقيم، وترك عليهما ثناءً عاطراً في الآخرين. وفي بقعة أخرى من جغرافيا الابتلاء، يقف إلياس عليه السلام صامداً أمام هوس الجماهير بـ "بعل".. أحد أشهر أصنام المشرق القديم، والذي تحول في وعي قومه من تمثال جامد إلى مصدرٍ موهوم للحياة والرزق والخصب.. لم يكن مجرد حجر يُعبد ولكنه صار أقرب إلى فكرة استولت على العقوب حتى صار الناس يتركون خالق الأسباب ويقفون على أعتاب سببٍ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا. عندئذ صدع إلياس بالتوحيد الخالص في مجتمع غارق في الخرافة، يواجههم بمنطق الفطرة الصافي: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. وحين اختار القوم طريق العناد وكذبوه = حُسم مصيرهم وانتهوا إلى زمرة المُحضرين للعذاب.. وبقي إلياس في سجل الخالدين المكرمين ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾. ويمضي الموكب الشريف ليصل إلى لوط عليه السلام الذي يحمل عبء المواجهة الثقيلة في بيئة سقطت في وحل الانحطاط الأخلاقي وقاع الفطرة المنتكسة. والنجاة هنا كانت دقيقة حاسمة تشمله وأهله وتستثني أقرب الناس إليه.. تلك العجوز الغابرة التي اختارت صف انتكاس الفطرة مترضية إياها وإن لم تمارسها. ثم يُسدل الستار على سدوم وعمورية بدمار شامل، يخفي معالمهم ويترك آثاراً شاخصة تقف كعلامة تحذير صامتة للمارين، تصرخ في وجه كل مستكبر غافل.. ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ثم تمضي السورة لتدخل بنا منطقة تمزج الرقة بالهيبة، حين يأتي ذكر يونس عليه السلام. ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. تأمل اللفظ أبَقَ.. يا لثقل هذه الكلمة ووقعها الموجع. العبد الآبق في اللسان العربي يشير إلى العبد الهارب من سيده. ولا شك أن مقام النبوة أجلّ وأطهر من أي خروج عن أصل العبودية والإيمان، ويونس عليه السلام نبي كريم من خيرة المرسلين. لكن إطلاق هذا اللفظ الشديد يعكس صرامة معايير الجندية في المقامات العالية التي ترسخها السورة لقد استعجل يونس الرحيل مفارقا قومه قبل أن يأتيه الإذن الإلهي. وفي هذا المستوى الرفيع من الاصطفاف، التوقيت ذاته جزء من الطاعة. الجندي الملتزم بالصف يُحرم عليه مغادرة موقعه تحت وطأة الغضب، وتُحظر عليه الحركة خطوة واحدة دون أمر مباشر.. . لأجل هذه المفارقةرتراكبت الظلمات سريعاً؛ ظلمة أعماق البحر، وظلمة الليل البهيم، وظلمة بطن الحوت. أطباق الكون انغلقت عليه دفعة واحدة لتنبه بخطورة ما فعل. لكن مع هذا الكرب الخانق، كان يونس يمتلك رصيداً سرياً مدخراً في خزائن الغيب. ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. صوته مألوف ومعروف في الملأ الأعلى. مناجاته تعوّدت أن تخترق الحجب في أوقات الرخاء... لذلك شقت طريقها بسهولة في لحظة الغرق والكرب.. سابق طاعته وسالف ذكره هما طوق النجاة الذي أنقذ حاضره في الأعماق. هذه الآية تترك في صدر المتدبر سؤالاً موجعاً يتردد صداه طويلاً: ما هو سالف عهدك الذي لولاه للبثت في عتمة بلائك؟ ما هو العمل القديم الصادق الذي سيشفع لك عند الشدائد؟ ما هو الذكر المخبأ الذي سيميز به الملأ الأعلى نداءك حين تنقطع بك أسباب الأرض قاطبة؟ والخيط الناظم لموكب الأنبياء كله جليّ لا يخفى. كل نبي خاض غمار التكليف بصدق، يُختتم مشهده بتلك التحية العلوية العظيمة سَلَامٌ عَلَيه.. تعقبها مباشرة القاعدة القرآنية المطلقة التي لا تحابي أحداً.. ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. هكذا يُكرّم الصف الذي طليعته أنبياء الله.. وهكذا تُطوى معاركهم بنصر محتوم وسلام يتردد صداه في جنبات الكون. بالإحسان والإيمان اللذان هما شفرة الدخول إلى هذا الصف الخالد.. وما دونهما مجرد زبد يذهب جفاءً. ولأجل هذا التمحيص الدقيق والصارم للنيات والمواقف، يتكرر في السورة وصف ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بفتح اللاوردت الكلمة بشكل مكثف في سورة الصافات.. خمس مرات من أصل ثمانية في القرآن كله في إشارة واضحة وعميقة، تدعوك للتأمل في منزلة الاستخلاص الرباني، وتدفعك للبحث الدؤوب عن هذا المقام العزيز. لاحظ أننا لا نتحدث هنا عن “المخلِصين” بكسر اللام ولكن “المخلَصين”. بالفتح.. وثمة فارق بين الكلمتين. المخلِص - بالكسر - هو الذي يجاهد نفسه ليبتغي وجه الله حين يعمل.. يخلص النية ويحاول أن يقاوم شوائب القلب وينجح غالبا حتى يطلق عليه ذلك اللقب الشريف.... المخلِص باختصار هو من إذا عمل = أخلص. وهذا مقام عظيم بلا شك. لكن المخلَص - بالفتح - فهو درجة أعلى . هو المستخلص.. كأنه ليس عمله فقط لله ولكن هو كله بجوارحه ومشاعره وأهدافه وآماله ومقاصده... كل ذلك لله وحده قد استخلصه الله لنفسه، وانتشله من قفص الغواية كما تُنتشل سبيكة الذهب الصافي من أطنان الصخر القاسي. هو لله وحده.. في سكناته وحركاته وخوفه ورجائه وصمته وكلامه. فإن كان المخلِص إذا عمل للدين فإن عمله يكون لله... فإن المخلَص لا يكاد يعمل شيئا أصلا إلا لله.. هو لله وبالله ومع الله.. لهذا كان إبليس نفسه يدرك مدى تميز هذا المقام فقال يوما مستثنيا إياهم من غوايته.. ﴿فبعزتك لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. سورة الصافات من خلال تكرار معنى الخلوص فإنها تبعث إليك برسالة مفادها أن النجاة في هذا الصراع المحتدم ليست لمن يحمل شيئًا من الدين بأطراف أصابعه، ولا لمن أبقى في قلبه غرفًا لغير الله. النجاة لمن أخلص واستُخلص. وهكذا.. تتنقل بك السورة في تطواف مهيب؛ من ملائكة مصطفين في علياء الكون، إلى شياطين مردة يُدحرون بالشهب، ثم تهبط بك إلى مشركين يُساقون أذلاء يوم الحشر، وترتفع بك إلى مؤمنين يُتوجون بالكرامة في جنات النعيم، وصولاً إلى مواكب الأنبياء التي تسير بانتظام، صفاً إثر صف. هذا الإيقاع المتجرد والمشحون بالاستمرارية، يطبع في الوجدان حالة خالصة من التوق إلى أن يكون المرء جزءا من ذلك الصف الشريف.. متخليا طواعية عن بريق الظهور الشخصي، منتزعا من صدره رغبة اختيار المواقع بالهوى؛ لتبقى مهمته الأوحد: تلقي أمر قائده والامتثال له بيقين لا يتزعزع. لأجل هذا المعنى، تزخر السورة بإشارات الخضوع التام والانقياد، ويلخص الملائكة الكرام هذا النسق البديع في قولهم.. ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾. تأمل عمق هذه الكلمات.. ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. تتجاوز هذه الآية كونها مجرد وصف لحال الملائكة لتستقر كدستور حاسم يحكم الوجود بأسره. كل مخلوق في هذا الكون الفسيح يعرف موقعه بدقة ويلتزم به، باستثناء الإنسان الذي هو الكائن الوحيد الذي تتنازعه رغبة محمومة في التطلع إلى مقام غيره... لذلك يحسد، ويزاحم، ويتمرد متذمراً من مكانه، ليضيع في النهاية وسط فوضاه. هنا تتولى سورة "الصافات" مهمة إعادة ترتيب تلك المقامات المبعثرة، وفرز مساحات القلب ليجد موقعه الدقيق داخل صفوف العقيدة الواضحة. ثم تعود السورة في خواتيمها لتستنطق الملائكة مرة أخرى، وكأن الرحلة بأكملها تلتف لترجع إلى نقطة البدء.. إلى الانضباط، والتسبيح، والطاعة المطلقة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾. إعلان حاسم يرسخ قواعد هذه الجندية المصطفة حيث لا فوضى، ولا ادعاءات زائفة، ولا مزاحمة على موضع لم يُكتب لك. وبعد هذا الحشد الهائل من المشاهد، يأتي الختام مدوياً كإعلان نصر نهائي بعد معركة طويلة ومضنية: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. هذه هي الخلاصة الحتمية. قد تطول أيام المواجهة، وقد يشتد البلاء حتى تبلغ القلوب الحناجر وقد يستعجل المبطلون نهاياتهم في استخفاف وغرور أعمى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾. لكن مهما طال الأمد واشتدت العتمة فإن الكلمة السابقة نُقشت لا تتبدل: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. لهذا كله، تبدو سورة الصافات في صفحتها الأخيرة وكأنها قواعد كبرى... هي لا تصحح معلوماتك، ولا تراجع عن مقدار ثقافتك، ولا تطلب منك استعراضاً لحسن بيانك. هي تبحث فقط عن إحداثياتك لتراجع نفسك.. في أي صف تقف؟ ومن يملك قلبك؟ ولمن أخَلصْت... واستُخلصت؟ منقول ساعد في النشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك المصدر: منتديات حبة البركة - من قسم: مواضيع إسلامية عامة |
||||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]()
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
مرحبا أيها الزائر الكريم, قرائتك لهذه الرسالة... يعني انك غير مسجل لدينا
في الموقع .. اضغط هنا للتسجيل
.. ولتمتلك بعدها المزايا الكاملة, وتسعدنا بوجودك