
| مواضيع إسلامية عامة أدعية وأحاديث ومعلومات دينية مفيدة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#1 | ||||||||||||||
![]() ![]()
شكراً: 9,478
تم شكره 17,570 مرة في 8,937 مشاركة
|
تحدّثنا في أكثر من لقاء عن مشيئة الله الخاصة المتغيّرة؛ تلك المشيئة التي تنظّم شؤون عباده بحكمته سبحانه، وعن إرادته العامة الثابتة؛ تلك الإرادة التي أوجدت كل شيء بعظمته. وقلنا في الجزء السابق: إنّ كل خاصٍّ سِمَتُه التقييد، وكل عامٍّ سِمَتُه الإطلاق. ومن هنا نصل إلى ملاحظة دقيقة في البيان القرآني: فعل الهداية حين يرتبط بالمشيئة الخاصة، يأتي مقيّدًا؛ إمّا بمتعلّقه الذي يأتي بعده، أو بضلال (أو ما دلّ عليه) يأتي قبله. أما فعل الهداية حين يرتبط بالإرادة العامة، فلا يأتي مقيّدًا بمتعلّق؛ لأنّ الإرادة عامة، والعام من شأنه الإطلاق، بعيدًا عن التقييد. وقد ضربنا في الجزء السابع مثالًا على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ [الحج: 16] وقلنا: إنّ هذه هي الآية الوحيدة التي ربط الله فيها إرادته بالهداية في جملة غير شرطية؛ لأنّ ربط الإرادة بالهداية والضلال قد ورد، ولكن في جملة شرطية، وفي موضع واحد فقط في القرآن الكريم، وقد تحدّثنا عنه سابقًا. واللافت هنا أنّ الله سبحانه لم يربط الإرادة بالضلال، بل ربطها بالهداية فقط، فلم يقل مثلًا: «والله يضل من يريد». وكأنّ في ذلك إشارة إلى أنّ الأصل في إرادة الله لعباده هو الهداية والخير عمومًا، مع أنّه سبحانه لا يرغمهم على شيء. ولكن بالمقابل، نجد أن الهداية والضلال قد ارتبطا بالمشيئة في مواضع كثيرة في القرآن الكريم. لكن هنا يبرز سؤال أدق: حين ربط الله فعل الهداية بالإرادة، لماذا لم يذكر متعلّق الفعل؟ لماذا لم يقل مثلًا: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾؟ لماذا قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ ثم توقّف؟ أين الصراط؟ إلى أين ستكون الهداية؟ هنا يظهر سرٌّ من أسرار البيان. لأنّ إرادة الله عامة، ثابتة، قوية، عظيمة، مطلقة؛ ومن غير المناسب أن يُذكر بعدها متعلّق يقيّد فعل الهداية ويخصّصه، لذا جعل السياق مفتوحًا، وإذا سألنا: إلى ماذا يهدي من يريد؟ الجواب سيكون: إلى كل خير. فحُذف متعلّق الهداية ليبقى السياق محافظًا على الإطلاق والعموم والسعة؛ وهي معانٍ تتناسب مع طبيعة وعظمة الإرادة الإلهية العامة. وليس هذا هو الموضع الوحيد الذي يلفت النظر. فالله سبحانه لم يأتِ أيضًا بحرف الجر «إلى»، الدال على انتهاء الغاية؛ فلم يقل: «وأنّ الله يهدي من يريد إلى...»؟ لأنّ السعة أو الإطلاق المكنون في إرادة الهداية لا يتناسب مع تقييده بغاية محددة ينتهي إليها. فكيف يكون للمطلق نهاية يقف عندها، وللسعة حدٌّ تنتهي إليه؟ وكما قلنا سابقًا: المطلق يفيد التعميم، والمقيّد يفيد التخصيص. ولهذا نجد أن الأمر اختلف تمامًا مع فعل الهداية المرتبط بالمشيئة؛ إذ يأتي مقيّدًا، بما يناسب خصوصية المشيئة المتغيّرة والمرنة. يقول تعالى: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ ۚ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النور: 46] هنا ذُكر فعل الهداية المرتبط بالمشيئة، ثم قُيّد بمتعلّقه: ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ فلم يقل كما قال مع الإرادة: ﴿يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ ثم يتوقف، بل بيّن إلى أي شيء يهدي الله: إلى صراط مستقيم. وجاء بحرف الجر «إلى»، وكأنّ خصوصية المشيئة، المرتبطة بتفاصيل معينة، تناسبها الهداية المقيّدة بغاية محددة. إذن، نحن أمام صورتين متقابلتين: أُطلقت الهداية في سياق الإرادة العامة، وقُيّدت في سياق المشيئة الخاصة. لكن قد يقول قائل: الله ذكر فعل الهداية المرتبط بالمشيئة في بعض المواضع، ولم يقيّده بمتعلّق؛ أي لم يذكر إلى أي شيء يهدي؟ ونقول: هذا صحيح. لكننا قلنا إنّ التقييد هنا نوعان: إمّا أن يكون بمتعلّق الفعل الذي يأتي بعده، وإمّا أن يكون بالضلال الذي يأتي قبله. فحين يُذكر الضلال، وهو عكس الهداية، ثم تُذكر الهداية بعده، يكون السياق قد حدّد المعنى؛ لأنّ الهداية ستكون إلى ما هو عكس الضلال الذي سبقها. وحينئذٍ تنتفي الحاجة إلى ذكر متعلّق فعل الهداية؛ لأنّ الهداية قد قُيّدت بالفعل المقابل لها الذي سبقها. ولهذا حين يذكر القرآن: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾ ثم يأتي: ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ لا يقول مثلًا: ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. لأنّه لا داعي لأن يُقيّد فعل الهداية بقيدين في نفس الآية، ما دام أحدهما قد أدّى الغرض. أي إنّ الهداية مع المشيئة لا بد أن يظهر فيها أحد قيدين: قيدٌ يسبقها، أو قيدٌ يلحق بها. وسنضرب بعض الأمثلة لتتضح الصورة أكثر. يقول تعالى: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ ۚ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النور: 46] هنا ذُكرت الهداية المرتبطة بالمشيئة، ولم يسبقها ذكر الضلال. إذن لا بد أن يظهر القيد بعدها، فجاء متعلّق الهداية: ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. فإذا سألنا: إلى أي شيء يهدي الله من يشاء؟ فالجواب: إلى صراط مستقيم. ومثال آخر، يقول تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142] أيضًا لم يسبق فعل الهداية ذكر الضلال، ولذلك قُيّد بمتعلّقه: ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. ومثال ثالث: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: 25] ومثال رابع: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213] إذن، كل هذه الآيات مطابقة لِما ذكرناه سابقًا، إذا لم يسبق الهداية ذكرٌ للضلال، فسيُقيّدها بصراط مستقيم، أو بأي متعلّق آخر كنور الله مثلًا، كما في قوله تعالى: {یَكَادُ زَیۡتُهَا یُضِیۤءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارࣱۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورࣲۚ یَهۡدِی ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ} [النور: 35] فهنا أيضًا لم يسبق ذكر للضلال، لذلك قيّد الهداية وقال (لنوره). والآن نصل إلى الجهة الأخرى من الصورة. حيثما ذكر الضلال وقال: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾، لا يأتي بعده: ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. لماذا؟ لأنّ التقييد الأول قد كفى في السياق. كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4] هنا تقدّم الضلال: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ﴾ ثم جاءت الهداية: ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ ولم يكمل ويقول: (إلى صراط مستقيم)؟ أي لم يُذكر متعلّق الهداية؛ لأنّ القيد قد سبقها بذكر الضلال، لذلك اكتفى به. ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 93] وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: 8] ومثله قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: 31] وأيضًا قوله تعالى: { أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَّاۤۖ إِنۡ هِیَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاۤءُ وَتَهۡدِی مَن تَشَاۤءُۖ أَنتَ وَلِیُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلۡغَـٰفِرِینَ } [الأعراف: 155] لكن هنا سنذكر آيتين في غاية الدقة، تحتاج كل منهما إلى وقفة. الأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56] هنا لم يذكر قبلها: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾ كما اعتدنا في الأمثلة السابقة. ولكن هل خلا السياق من معنى الضلال؟ لا. فالله سبحانه قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ فقد نُفيت الهداية. والذي نُفيت عنه الهداية فبلا شك هو ضال. إذن أشار السياق إلى الضلال، ولكن ليس بلفظ الضلال نفسه، وإنما من خلال نفي الهداية. ولهذا جاء بعدها: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ من غير أن يذكر متعلّق فعل الهداية. أما الآية الثانية، ففي قوله تعالى: ﴿لَّیۡسَ عَلَیۡكَ هُدَاهُمۡ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۗ﴾ [البقرة: 272] فهنا أيضًا أُطلق فعل الهداية، ولم يُذكر متعلّقه، رغم أنّ الله لم يذكر قبلها: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾. فلماذا؟ لأنه قال قبلها: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾. أي نُفيت عنهم الهداية، وهو المعنى نفسه الذي رأيناه في آية القصص. فكان نفي الهداية المتضمن معنى الضلال كافيًا ليؤدي وظيفة القيد، ولذلك لم يحتج السياق إلى ذكر قيدٍ آخر لفعل الهداية. ولكن ربما منكم من سيسأل ويقول: في قوله تعالى، قوله تعالى: { ذَ ٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ یَهۡدِی بِهِۦ مَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ } [الأنعام: 88] هنا لم يذكر متعلّق فعل الهداية، رغم أنه لم يسبقه ذكر الضلال؟ نقول إن السياق هنا متصل، والحديث كله عن الأنبياء، وقد قال قبلها مباشرة: { وَإِسۡمَـٰعِیلَ وَٱلۡیَسَعَ وَیُونُسَ وَلُوطࣰاۚ وَكُلࣰّا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَـٰلَمِینَ (86) وَمِنۡ ءَابَاۤئهِمۡ وَذُرِّیَّـٰتِهِمۡ وَإِخۡوَ ٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَیۡنَـٰهُمۡ وَهَدَیۡنَـٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَ ٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ (87) ذَ ٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ یَهۡدِی بِهِۦ مَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِ (88) } [الأنعام: 86-88] فنلاحظ أنه قد ذكر متعلّق فعل الهداية، وقال (وهديناهم إلى صراط مستقيم)، ولا داعي لتكراره مرة أخرى، لذا قال بعدها (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده)، ولم يقل (إلى صراط مستقيم). طبعًا نتحدث عن فعل الهداية المرتبط بالمشيئة، أما إذا كان الحديث عن فعل الهداية بشكل عام، أي الغير مرتبط بالمشيئة، فهذا أمر آخر، فقد يقيّده بمتعلّق كالصراط المستقيم، أو قد لا يقيّده ويكون هذا حسب السياق ولإعتبارات أخرى، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال قوله تعالى: { وَهَدَیۡنَـٰهُمَا ٱلصِّرَ ٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ } [الصافات: 118] وأيضًا في قوله تعالى: { وَلَهَدَیۡنَـٰهُمۡ صِرَ ٰطࣰا مُّسۡتَقِیمࣰا } [النساء: 68] وأيضًا في قوله تعالى: {وَكَفَّ أَیۡدِیَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ وَلِتَكُونَ ءَایَةࣰ لِّلۡمُؤۡمِنِینَ وَیَهۡدِیَكُمۡ صِرَ ٰطࣰا مُّسۡتَقِیمࣰا } [الفتح: 20] هنا لم يذكر المشيئة أصلًا، وقيّد الهداية بالصراط المستقيم. أما في قوله تعالى: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیۡنَـٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّوا۟ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ} [فصلت: 17] فهنا أيضًا لم يذكر المشيئة، ولكنه لم يقيّد فعل الهداية بالصراط المستقيم ولا بغيره. وقد يقدم الهداية على الضلال ويأتي ب(مَن) الشرطية مع الضلال فقط، كما في قوله تعالى: {ذَ ٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ یَهۡدِی بِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ وَمَن یُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ } [الزمر: 23] وهذه من الإستثناءات التي تتعلق بالجمل الشرطية وماذا يقدم وماذا يؤخر، وسنتحدث عنها إن شاء الله في الاجزاء القادمة. وهكذا تتضح لنا الصورة: فعل الهداية المرتبط بالمشيئة يأتي مقيّدًا؛ إمّا بقيد يسبقه، وإمّا بقيد يلحق به. قيدٌ يسبق: كذكر الضلال أو نفي الهداية. وقيدٌ يلحق: كقوله: ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وهذا هو الاغلب وقد يذكر قيّد غيره. وهذا يتناسب مع خصوصية المشيئة. أما فعل الهداية المرتبط بالإرادة، فقد جاء مطلقًا، من غير متعلّق، مع أنّ الضلال لم يُذكر قبله. وهذا يتناسب مع عمومية الإرادة وإطلاقها وشمولها. وهنا سأطرح سؤالًا على كل منصف، وإن لم يكن مسلمًا: لو أنّ الله سبحانه قال: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يُرِيدُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ بدلًا من: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ فمن من الإنس والجن سيعترض؟ بل من منهم سينتبه إلى هذه المسألة أصلًا؟ سنقرأ الآية، وسنمر عليها دون توقف. وسنقول بكل بساطة: أكيد، الله يهدي من يريد إلى صراط مستقيم. فأين المشكلة في ذلك؟ لكن القرآن يقول لنا: لا... ليس هذا هو التعبير الذي اختاره الله. فمع المشيئة يقول: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أما مع الإرادة فيقول: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ ثم يتوقف. لا يذكر إلى أين سيهديه. ولا يذكر متعلّقًا بعده. وكأنّ السياق يريد أن يقول لنا: هنا إرادة عامة، فلا تُقيّدها بغاية خاصة. وهناك مشيئة خاصة، فلا تتركها عامة بلا قيد. وهنا يكمن سرّ البيان... فالكلمة القرآنية لا تحمل معناها وحدها؛ بل يحمل معناها موقعُها، وسياقُها، وما يسبقها، وما يلحق بها، وما يُذكر معها، وما يُترك بعدها. وهنا ندرك أنّ روعة البيان القرآني ليست في أن يقول لك المعنى فحسب... بل في متى قاله؟ وأين قاله؟ وكيف قاله؟ من كتاب «أنس القرآن وروعة البيان» للدكتور أنس كمال ساعد في النشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك المصدر: منتديات حبة البركة - من قسم: مواضيع إسلامية عامة |
||||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]()
|
![]() |
|
|
مرحبا أيها الزائر الكريم, قرائتك لهذه الرسالة... يعني انك غير مسجل لدينا
في الموقع .. اضغط هنا للتسجيل
.. ولتمتلك بعدها المزايا الكاملة, وتسعدنا بوجودك